الاهتمام بالنفس ليس أنانية دليل شامل للتغلب على ذنب الرعاية الذاتية
يشعر الفرد بالذنب لمجرد أنه أخذ قسطًا من الراحة، أو حدد وقتًا لنفسه، وأهمل وقضى في حق الأفراد المحيطين به. ومشاعر الذنب تنشأ لعدة أسباب، إما بسبب معتقدات اكتسبها في مرحلة الطفولة، أو لتجارب شخصية سابقة تعرض لها، أو لسبب معتقدات يرسخها المجتمع.
ما هو الاهتمام بالنفس؟
مفهوم الاهتمام بالنفس يشير لعدة سلوكيات وأفعال، الهدف منها الحفاظ على الصحة النفسية، والعاطفية، والجسدية، والاجتماعية. وليس كما يقال إنه الطريقة للحصول على الراحة، وقضاء وقت للترفيه. ولكنه يختص بتقديم الاحتياجات الأساسية للجسم، من حيث أخذ قسط من النوم، وممارسة الرياضة، ووضع حدود صحية في العلاقات، وتخصيص وقت لممارسة الأنشطة التي تطور من الصحة النفسية.
ولا تفسر مبدأ الاهتمام بالنفس على أنه وسيلة للهروب من المسؤولية، أو التركيز فقط على قضاء وقت مريح. ولكنه يهدف للحفاظ على التوازن، سواء النفسي والجسدي، الذي يمهد الفرد لأداء أدواره ومهامه بشكل فعال.
الفرق بين الاهتمام بالنفس والأنانية
رغم وجود فروق واضحة بين الاهتمام بالنفس والأنانية، ولكن يعاني البعض من التفرقة بينهما. ولهذا سنسلط الضوء على الفرق بينهما.
أولًا الاهتمام بالنفس: هدفها هو مساعدة الذات للحفاظ على الصحة النفسية والجسدية، بالتوازي مع الاهتمام بالاحتياجات الفردية، مع تحقيق التوازن مع احتياجات الآخرين.
بالإضافة لأن الاهتمام بالنفس هو وسيلة لرسم حدود صحية، تسهم في حماية الفرد من التعرض للإرهاق والاستنزاف.
في حين أن مفهوم الأنانية يتمثل في التركيز على تحقيق المصلحة الذاتية، مع عدم إبداء أي اهتمام حول احتياجات ومشاعر الآخرين. من حيث أن الأنانية تدفع الفرد لتحقيق أمر ما، حتى إذا كان ذلك الأمر يسبب الضرر للآخرين.
أسباب الشعور بالذنب عند الاهتمام بالنفس
أولًا التربية القائمة على التضحية المستمرة
يعد نشأة الفرد في بيئة يترسخ لديها مبدأ أن قيمة الفرد تزيد في حالة إذا ضحى الفرد من أجل الآخرين.
ذلك المبدأ يساوي اقتناع الطفل بفكرة أن احتياجاته تأتي في المقام الأخير. وعلى المدى يستمر الفرد في الالتزام بذلك المبدأ، ويشعر بالذنب، وأنه ارتكب خطأ ما، في حالة إذا خصص وقت لذاته.
ثانيًا الخوف من أن ينظر إليه كشخص أناني
من أسباب الشعور بالذنب أثناء الاهتمام بالنفس هو نشأة مشاعر من الخوف حول أن ينظر لك الآخرون لسلوكياتك على أنها أنانية. وبالتالي هو شعورك بالذنب في حالة إذا اتجهت نحو الاهتمام باحتياجات الآخرين.
ثالثًا السعي إلى الكمال
رسم معايير ذات جودة عالية حول الأمور الحياتية، مثل الكفاءة في إنجاز المهام، أو العطاء المستمر، هو أمر يدفعك للشعور بالذنب في حالة إذا خالفت تلك المعايير، من حيث أخذ إجازة، أو الحصول على وقت للترفيه.
رابعًا الشعور المفرط بالمسؤولية تجاه الآخرين
الاقتناع بفكرة أنك الشخص المسؤول عن تحقيق الراحة والسعادة لكافة المحيطين بك. وفي حال إذا خصص وقت لنفسه، حتى إذا كان قصير، فسيشعر بصورة تلقائية أنه أهمل الآخرين.
خامسًا الاقتناع بأن الراحة تعني الكسل
تربية الطفل على فكرة أن الإنجازات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالقيمة الشخصية، هو أمر يمكن أن يبث للطفل الشعور بالذنب في حالة إذا أخذ وقت من الراحة، أو أثناء ممارسته للرعاية الصحية والنفسية.
الآثار النفسية لإهمال الذات بسبب الشعور بالذنب
قضاء وقت طويل في إهمال الاحتياجات العاطفية بسبب دافع الشعور بالذنب هو أمر يؤثر بالسلب على الصحة النفسية والعاطفية. وسنسلط الضوء على تلك الآثار في ما يلي:
أولًا زيادة التوتر والضغط النفسي
تنشأ الضغوطات النفسية في حالة إذا وجه الفرد تركيزه على الاهتمام باحتياجات الآخرين، واغفال احتياجاته الأساسية.
ثانيًا الاحتراق النفسي
إغفال جزئية أخذ فترات من الراحة لوقت طويل، أمر ينتج عنه تعرض الفرد للاحتراق النفسي. والذي يدفع الفرد لفقدان شعوره بالطاقة والدافعية لاستكمال أداء مهام حياته الرئيسية.
ثالثًا انخفاض تقدير الذات
التقصير في الاهتمام باحتياجات الآخرين، أمر يطور لديه مبدأ أن احتياجات الآخرين تشكل أهمية كبرى عن احتياجاته. والنتيجة المترتبة على الاقتناع بتلك الفكرة هو تراجع الثقة بالنفس، وشعوره بقيمته الشخصية.
رابعًا زيادة احتمالية الإصابة بالقلق والاكتئاب
توجيه النقد للنفس، وكذلك الشعور الدائم بالذنب حول الاهتمام بالنفس، يترتب عليه الشعور بالقلق والاكتئاب. خاصة في حالة إذا أدرك الفرد بأنه مطالب بصورة دائمة أن يعطي، دون الحصول على وقت للراحة بالنفس.
خامسًا الشعور بالاستياء والغضب المكبوت
قد يلاحظ الجميع بأنك متعاون معهم، ولكن في الحقيقة أنت تشعر بمشاعر من الاستياء والذنب، لأنك تضحي بصورة مستمرة، مع عدم اهتمامك بتلبية احتياجاتك الخاصة. وتلك المشاعر المكبوتة تؤثر على جودة علاقتك مع الآخرين.
متى يصبح الاهتمام بالنفس ضرورة وليس رفاهية؟
يقع البعض في خطأ تفسير بأن الاهتمام بالنفس هو إشارة على الرفاهية، أو أنها أمور سهلة يمكن ممارستها في وقت لاحق. في حين أن خبراء الصحة النفسية أكدوا أن الرعاية الذاتية لا تشير إلى الرفاهية، ولكنها خطوة جادة نحو الحفاظ على الصحة النفسية والجسدية.
أولًا عندما تظهر علامات الإرهاق النفسي أو الجسدي
العلامات التي تشير على ضرورة توجهك نحو الاهتمام بالنفس لحماية صحتك، هي الشعور بالتعب المزمن، وفقدان الحماس، والتوتر الدائم، وإيجاد معاناة في التركيز.
ثانيًا عندما تبدأ الضغوط بالتأثير على صحتك النفسية
تؤثر الضغوطات بالسلب على صحتك النفسية، من حيث زيادة معدل القلق، والشعور بالحزن، والتقلبات المزاجية، ونوبات الغضب. جميعها مؤشرات تدل على أنه يجب اتخاذ خطوة جادة نحو الاهتمام والرعاية بالنفس.
ثالثًا عندما تؤثر المسؤوليات على احتياجاتك الأساسية
من أشكال الراحة البسيطة التي يجب أن يهتم بها الفرد هي أخذ قسط كافٍ من النوم، وتناول الأطعمة الصحية، وأخذ قسط من النظافة، وغيرها من الأمور الأخرى. لأنها ضروريات للحفاظ على وظائف الجسم والعقل.
رابعًا غياب قدرتك على تقديم العون للآخرين بكفاءة
خبراء الصحة النفسية يشابهون الرعاية الذاتية بأنها شحن البطارية. بمعنى إذا قلت لدى الفرد طاقته، دون أن يقوم بتعويض تلك الطاقة المفقودة، فإن قدرته على العطاء ستقل. وبالتالي تكمن أهمية الاعتناء بالنفس، لأنها تمكن الفرد من الاستمرار في دعم الآخرين بشكل أفضل.
خامسًا عند المرور بأحداث حياتية ضاغطة
يعد تعرض الفرد لمواقف حياتية مؤلمة، مثل وفاة شخص عزيز عليه، أو خسارة وظيفته، أو التعرض لمسؤوليات جديدة. كافة تلك المواقف تستنزف من طاقة الفرد النفسية. ولهذا يجب أن يهتم الفرد في الحصول على رعاية إضافية، حتى يتأقلم مع تلك الضغوطات.
طرق التخلص من الشعور بالذنب عند الاهتمام بالنفس
أولًا القيام بإعادة تعريف مفهوم الاهتمام بالنفس مرة أخرى
أبرز الأسباب الشائعة للشعور بالذنب عند الاهتمام بالنفس، واغفال الآخرين، هو الإيمان بفكرة أن الاهتمام بالذات هو علامة على الأنانية، أو التقصير نحو الآخرين. ولكن تغيير المفهوم، والإقناع به، يمهد الفرد لأداء واجباته تجاه نفسه بشكل أفضل من السابق.
ثانيًا ممارسة التعاطف مع النفس
ينصح خبراء علم النفس بتلك الطريقة، وهذا لأنك تتعامل مع الذات بالمعدل المطابق الذي تتعامل به مع الآخرين، من حيث اللطف والتفهم.
مثال مبسط على تلك النقطة هو: أن تشعر بالذنب في حالة إذا أخذت قسطًا من الراحة، اطرح على نفسك سؤالًا متعلقًا حول: إذا كان صديق مقرب لك مرهق، ويتطلب الراحة، فهل ستعتبره ذلك رافضًا؟ الإجابة الحقيقية هي لا. ولهذا عليك أن تتعاطف مع نفسك، مثلما تتعاطف مع الآخرين.
ثالثًا التعرف على مصدر الشعور بالذنب
حتى تنجح في التغلب على تلك المشاعر، عليك معرفة أسباب شعورك بها. لأنها قد تنشأ إما من وراء طريقة التربية التي نشأت عليها، أو لرغبتك في الكمال، أو الخوف من أحكام الآخرين. المغزى من معرفة السبب هو للتعامل معه بشكل واقعي، وليس للاستسلام فقط.
رابعًا وضع حدود صحية دون الشعور بالخجل
ينشأ الشعور بالذنب لدى فئة من البشر، فهي حالة رفضهم لطلب ما، أو عندما يهتمون بصحتهم النفسية من خلال وضع حدود صحية في علاقاتهم. وعليك تغيير طبيعة تلك التفكير، واعلم أن قول كلمة لا، حتى تتفادى استنزاف طاقتك، هو وسيلة للحفاظ على صحتك النفسية.
خامسًا التوقف عن ربط قيمتك بالإنتاجية
قد ينشأ الشعور بالذنب من مجرد أنك لا تحقق أي إنجاز في حياتك. وذلك يعرف تحت مفهوم ذنب الإنتاجية.
وأخذ قسط من الراحة ليس إشارة على الكسل، ولكنها وسيلة للحفاظ على الطاقة والصحة النفسية.
سادسًا البدء بخطوات صغيرة من الرعاية الذاتية
في حالة إذا كنت تخشى من الشعور بالذنب، لمجرد أنك تعمل على تغيير كافة أمور حياتك لدفعة واحدة، ما عليك إلا البدء بخطوات صغيرة، مثل: الحصول على وقت راحة، ممارسة الهوايات المحببة، أخذ قسط جيد من النوم.
الاعتیاد على تلك الممارسات بشكل تدريجي، يمهد الدماغ على تقبل فكرة أن الرعاية الذاتية هي حق، وليس أمر يبث لك الشعور بالذنب.
خاتمة
في نهاية المقال، تذكر أن الاهتمام بالنفس ليس رفاهية، بل هو ضرورة. ولا يجب أن تشعر بالذنب لأنك خصصت وقتًا لذاتك. لأنك عندما تعتني بنفسك، تصبح قادرًا على العطاء بشكل أفضل للآخرين.
ابدأ اليوم في تطبيق هذه الخطوات، وتخلص من شعور الذنب الذي يرافقك. تذكر دائمًا: أنت تستحق الراحة، والعناية، والاهتمام، بقدر ما تستحقه أي شخص آخر في حياتك.
يمكنك قراءة أيضًا :
أسباب الخوف من البداية النفسية وعلاماته وطرق كسر حاجز الخوف والبدء
