متلازمة الشخصية الرئيسية ما هي وكيف تتجنب الوقوع في فخ التمركز حول الذات

يحرص شريحة كبرى على الاهتمام بأنفسهم، والوصول لأهدافهم، وتكوين الشعور بالرضا. وهذا أمر صحي وهام. ولكن مؤخرًا ظهر مصطلح متلازمة الشخصية الرئيسية عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهو الذي يخلط بين الاهتمام بالذات مع إغفال الآخرين، والنظر لهم على أنهم مهمشون، وشخصيات ثانوية في حياتهم.
ما هي متلازمة الشخصية الرئيسية؟
اشتهر في الآونة الأخيرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، بالتحديد منصة الـ TikTok، ما يُعرف بمتلازمة الشخصية الرئيسية Main Character Syndrome.
في الحقيقة، تلك المتلازمة ليست متلازمة أو اضطراب نفسي معترف به وفقًا للتصنيفات الطبية. ومتلازمة الشخصية الرئيسية هي حالة يعيشها الفرد، يجعله ينظر لنفسه وكأنه بطل قصة ما، وينظر إلى الأشخاص المحيطين به على أنهم أشخاص ثانوية في حياته.
على الجانب الآخر، سنجد أن خبراء علم النفس ينظرون إلى متلازمة الشخصية الرئيسية على أنها مرحلة من التمركز حول الذات. في بعض الحالات قد تكون طبيعية، ولكن في حالات أخرى تتحول إلى مشكلة، في حالة إذا طالت تأثيرها على طريقة تعامل المصاب مع الآخرين.
كيف يفكر الشخص الذي يعيش بعقلية الشخصية الرئيسية؟
متلازمة الشخصية الرئيسية لا تعني فقط أن الشخص ينظر لنفسه على أنه بطل قصة ما، ولكن تترسخ لديه مجموعة من الأفكار، وأنواع من الإدراك، التي تجعله يرى نفسه في مركز كل موقف.
وفي النقاط التالية سنسلط الضوء على كيف يفكر الذي يعيش بعقلية الشخصية الرئيسية.
أولًا يشعر أنه محور غالبية الأحداث
غالبية تفسيراته المرتبطة بالمواقف التي يعيشها يربطها بنفسه. بمعنى، إذا تواجد مع مجموعة من الأشخاص، وقاموا بالضحك، في الفور سيظن أنهم يتحدثون عنه.
ذلك المثال لا يعكس بالضرورة إصابته بالاضطرابات النفسية، ولكنه يظهر مدى تركيز الفرد على نفسه.
ثانيًا يتعامل مع حياته كأنها قصة لها جمهور
خبراء علم النفس يشيرون إلى فئة من الأشخاص الذين يعيشون حياتهم وكأن هناك جمهور يتابع كل خطواته. لهذا يحرصون بالاهتمام بطريقة ظهورهم أمام الآخرين، ويقولون إن حياتهم مثالية. وهذا لأنهم يعرضون حياتهم عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ثالثًا يمنح مشاعره وأحداثه أهمية أكبر من أحداث الآخرين
رؤيته لأمور حياته، المتمثلة في المشكلات والإنجازات، هي التي تستحق أهمية كبرى عن حياة الآخرين. وذلك النمط من التفكير يدفعه للتقليل من تجارب الآخرين، ولا يعطيها أي اهتمام.
رابعًا دائمًا يبحث عن اللحظات التي تجعله في دور البطل
يعطي اهتمام واضح باللحظات التي تبث له الشعور بالإعجاب، أو التميز. كما يحب التواجد في النقاشات التي يكون فيها محور الاهتمام والحديث.
خامسًا ينظر إلى الآخرين كأنهم شخصيات مساعدة
تلك النقطة تعد من أبرز الجوانب السلبية التي يذكرها علماء النفس حول متلازمة الشخصية الرئيسية. لأن أسلوب تعاملهم مع الآخرين يتمحور حول اعتبارهم أشخاص يقدمون الدعم لقصته، أو يعملون على تحقيق أهدافه.
مع إغفال أهمية أدوارهم، والاعتراف بأن كل فرد منهم له حياته الخاصة، وأولوياته الشخصية.
أسباب عقلية الشخصية الرئيسية
أولًا تأثير منصات التواصل الاجتماعي
لمنصات التواصل الاجتماعي، المتمثلة في الإنستجرام والتيك توك، دور فعال في انتشار متلازمة الشخصية الرئيسية. لأنها تحفز الفرد على إظهار وتصوير تفاصيل حياته اليومية على أنها فيلم أو قصة.
والمحتوى الذي يُبث للجميع يتضمن:
- تسليط الضوء على الروتين اليومي، ولكن بطريقة سينمائية.
- الروتين اليومي يتضمن كافة تفاصيل الحياة.
- الاستعانة بالموسيقى الدرامية.
- البحث عن التفاعل والإعجاب.
وعلى المدى القصير، يبدأ الفرد للنظر إلى حياته مثلما يبثها للآخرين. واهتمامه يتحول من كيف تبدو حياته أمام الآخرين، ولا يهتم بطريقة عيشه لحياته بالفعل.
ثانيًا البحث عن الهوية، بالتحديد في مرحلة الشباب
المشكلة التي يعاني منها غالبية الشباب هو البحث عن هويته، ودوره في الحياة. لهذا في مرحلة الشباب، يلجأ الفرد إلى تبني فكرة أنه بطل قصته، حتى يشعر بأن حياته لها معنى.
ثالثًا الحاجة إلى الشعور بالأهمية والتقدير
طبيعة الفرد التلقائية هو احتياجه للشعور بأنه مهم. لهذا إذا لم يتمكن من الحصول على الاهتمام الكافي من ناحية دائرة معارفه، فسيعمل على تعويض ذلك النقص بعدة طرق، مثل:
- البحث الدائم عن الاهتمام.
- انتظار التعليقات والإعجاب.
- الإفصاح عن تفاصيل حياته بصورة مستمرة.
الهدف من تلك السلوكيات لا يقتصر على لفت الانتباه، ولكن للشعور بالقيمة الشخصية.
رابعًا انخفاض تقدير الذات أحيانًا
ليس جميع الأشخاص يظهرون بالثقة تجاه النفس كسلوك حقيقي. وأوضح علماء النفس أن كثرة ذلك السلوك هو بهدف إخفاء الشعور بعدم الأمان.
لهذا في حالة إخفاقهم في الشعور بالثقة، فيلجؤون لتعزيز ثقتهم بأنفسهم، بواسطة الحصول على إعجاب الآخرين.
خامسًا الثقافة التي تمجد التميز الفردي
غالبية الرسائل التي يوصلها المؤثرين تتمحور حول أن تكون مختلف، أو تكون بطل.
ولكن كثرة تلك الرسائل تدفعنا للتأثر بها بصورة سلبية، لأنها تجعلنا نعتقد أن قيمتنا لأنفسنا معتمدة عندما نكون أكثر تميزًا عن الآخرين.
علامات قد تشير إلى اتباعك لعقلية الشخصية الرئيسية
أولًا الاعتقاد بأن الجميع يراقب تفاصيل حياتك
يعتقد أن الجميع يركزون على تفاصيل حياته، مثل أسلوب حديثه، اختياره لملابسه، تصرفاته. لكن في الحقيقة، هم منشغلين بحياتهم عن حياته.
ثانيًا تحويل المواقف العادية إلى أحداث درامية
ذكرنا في نقطة سابقة أن المتبعين لعقلية الشخصية الرئيسية يفسرون المواقف بطريقة زائدة عن الحد. مثال على ذلك، اعتبار موقف عابر وانتهى على أنه نقطة تحول في حياته.
ثالثًا الاهتمام الزائد حول كيف يظهر أمام الآخرين
غالبية وقته تتمحور حول كيف ظهر في تلك الصورة التي نشرها على منصات التواصل الاجتماعي، وماذا سيعتقد الآخرين عنه، وهل أبدو لهم كشخص مميز.
رابعًا الرغبة الدائمة في أن يكون محور الاهتمام
من الأمور التي تسبب له الضيق هو في حالة إذا لم ينجح، وفشل في أن يحصل على اهتمام الجميع، أو لم يهتم الآخرين، واغفلوا عن الإنجازات التي حققها.
خامسًا مشاركة غالبية تفاصيل حياته للحصول على التفاعل
يبدي اهتمام بتوثيق لحظات يومه، مثل تصوير الطعام، والإنجازات، بما فيها اللحظات العادية. والهدف من التوثيق ليس للاحتفاظ بالذكرى، ولكن للحصول على اهتمام وتفاعل الجمهور.
سادسًا صعوبة تقبل النقد
يفسر الانتقاد على أنه الوسيلة التي تهدد هويته. ولهذا إذا تلقى أي انتقاد، فيتجه للدفاع عن نفسه، وتبرير أخطائه.
هل متلازمة الشخصية الرئيسية دائمًا شيء سلبي؟
ينظر علماء النفس لتلك المتلازمة على أن لها جانبين: الإيجابي والسلبي. وسنسلط الضوء على كل جانب في ما يلي:
أولًا المنظور الإيجابي
رؤيتك لنفسك على أنك بطل قصة حياتك أمر صحي، ولكن في حالة إذا كان يساعدك على:
- تحمل مسؤولية قراراتك وحياتك.
- رسم أهداف واضحة، والعمل على تنفيذها.
- تحقيق التوازن بين الاهتمام بالصحة النفسية والجسدية.
- تجنب فكرة أنك تعيش حياتك لإرضاء الجميع.
- الاقتناع بفكرة أن حياتك وحياة الآخرين تستحق الاهتمام بشكل متساوي.
ثانيًا المنظور السلبي
عقلية الشخصية الرئيسية تتحول إلى الجانب السلبي في حالة إعتقاد الفرد لعدة أمور، مثل:
- اهتمام الجميع بك طوال الوقت.
- أنك دائمًا محور الاهتمام.
- نجاح الآخرين له تأثير سلبي على نجاحك.
- احتياجاتك أهم من باقي احتياجات الآخرين.
جميع تلك المعتقدات لها تأثير على جوانب مختلفة من حياتك، مثل الصداقات، والعلاقات العاطفية، وحياتك المهنية.
كيف تهتم بذاتك دون تمركز حول الذات
أولًا اجعل قيمتك نابعة من داخلك، وليس من إعجاب الآخرين لك
يوجد فرق بين الشخص ذو ثقة، وبين الشخص المتبني لعقلية الشخصية الرئيسية. حيث سنجد أن الشخص الواثق من نفسه يشعر بالرضا، بسبب معرفته لقدراته، ويحرص على تطويرها. ولكن الشخص المتبني لعقلية الشخصية الرئيسية يعتمد على الإعجاب واهتمام الآخرين به، حتى يشعر بأنه مهتم. وبالتالي تزيد ثقته بنفسه.
ولهذا لتفادي تبني تلك العقلية، عليك أن تسأل نفسك عدة أسئلة، مثل:
- هل سأظل سعيدًا بذلك الإنجاز، حتى إذا لم يره أحد؟
- هل أفعل ذلك لأنني أريده فعلاً، أم لكي أحصد إعجاب الآخرين؟
ثانيًا تذكر أن لكل شخص قصته الخاصة
تذكر أن أي مكان تتواجد فيه، دائمًا ستجد فيه أشخاص لديهم أحلامهم، ومشاكلهم، ومخاوفهم. لهذا لا ينتبه الكثير لمراقبتك، أو إلقاء الحكم على تصرفاتك.
الهدف من تبني ذلك الفكر هو تقليل التركيز حول الذات، وزيادة تعاطفك مع الآخرين.
ثالثًا تدرب على الاستماع أكثر من الحديث
احرص على أن تتيح للآخرين الفرصة للتعبير، والإفصاح عن تجاربهم.
لهذا يمكنك الاستعانة بعدة أسئلة تساعدك على ذلك، مثل:
- كيف هو يومك؟
- كيف تعاملك مع تلك المشكلة؟
المغزى من الاستماع الفعال لا يقتصر على تقوية علاقاتك مع الآخرين، ولكنه بمثابة إشعار دائم بأن تجاربهم تستحق منك الاهتمام، مثلما ترغب في أن يهتم الآخرين بتجاربك.
رابعًا لا تجعل وسائل التواصل الاجتماعي معيارًا لقيمتك
لمنصات التواصل الاجتماعي تأثير على الفرد، وتدفع لربط قيمته بكم المشاهدات، والتعليقات التي تلقاها.
ولتفادي تلك المشكلة، فينصح أن تتبع الخطوات التالية:
- تجنب مقارنة حياتك بالمحتوى الذي يُبث لك.
- تقليل نسبة الوقت الذي تشاهده لمقاطع الفيديوهات المثالية.
- تذكر أن المحتوى الذي يُقدم على منصات التواصل الاجتماعي ما هو إلا مقتطفات من حياة الناس، وليس الحياة بأكملها.
خامسًا تقبل أن الحياة لا تسير دائمًا كما تتوقع وتأمل
تبني عقلية الشخصية الرئيسية تدفع الفرد للشعور بالإحباط، في حالة إذا لم تتم الأمور بالطريقة التي رسمها في ذهنه. واعلم أن الحياة بها توقعات غير مستقرة, لهذا عليك مواكبة تلك التوقعات من خلال تطوير المرونة النفسية.
سادسًا مارس التعاطف بوعي
مفهوم التعاطف لا يعني إهمال النفس، ولكن إدراك أن الجميع يتألم، ويفرح، مثلما أنت كذلك.
وتعزيز التعاطف يتم من خلال عدة خطوات، مثل:
- محاولة فهم وجهات النظر الأخرى، قبل انتقادها، والحكم عليها.
- الاعتراف بمشاعر الآخرين، حتى إذا لم تتوافق معك.
سابعًا اسمح لنفسك أن تكون شخص عادي في بعض الأوقات
السعي للمثالية ينتج عنه تعرضك للضغط النفسي. لهذا لا تهتم بجعل كل لحظة تعيشها مثالية ومثيرة.
عليك الاستمتاع بالأيام، سواء العادية والمثالية، وجميع الإنجازات التي حققتها، لأنها تعزز من صحتك النفسية.
خاتمة
في نهاية المقال، تذكر أن الاهتمام بالنفس ليس أن تضع نفسك في المرتبة الأولى، ولكن أن تعطي نفسك الرعاية والاهتمام، مع احترام اهتمامات الآخرين، واحترام فكرة أن لكل شخص قصته الخاصة.
الاهتمام بالنفس ليس أن تعيش وكأنك بطل قصة، بل أن تدرك أنك جزء من قصص كثيرة تتشابك معًا.
ابدأ اليوم في ممارسة التوازن بين الاهتمام بذاتك والتعاطف مع الآخرين، وستجد علاقاتك أكثر عمقًا وحياتك أكثر توازنًا.
يمكنك قراءة أيضًا :
