أسباب إدمان الإنتاجية وعلاماته والفرق بين الإنتاجية الصحية والسامة

المجتمع في الوقت الحالي حدد السرعة والإنجاز هما المعايير الأساسية للنجاح، مع إغفال عنصر الجودة والإتقان. ولهذا اتجه الجميع نحو استغلال غالبية وقتهم في العمل، أو التعلم، أو تحقيق المزيد من الأهداف. وترتب على هذا تعرضهم للضغط النفسي، وإغفال الراحة. وهذا ما يُعرف بإدمان الإنتاجية.
ما هو إدمان الإنتاجية؟
إدمان الإنتاجية هو بمثابة حالة يعيشها الفرد، تجعله يشعر بقيمته عندما يحقق إنجاز جديد. كما لا يفضل أن يأخذ قسط من الراحة إلا بعد الانتهاء من تنفيذ كم كبير من المهام.
على المدى الطويل، يتغير الهدف من تحقيق إنجاز ما إلى التركيز على تحقيق الهدف.
في حين أثبت خبراء الصحة النفسية أن الهدف من وراء استمرار الفرد في العمل أو الدراسة، مهما كان يشعر بالإرهاق، هو لشعوره بالقلق إذا توقف عن أداء المهام. وليس السبب وراء ذلك هو امتلاك الطاقة، أو المحفز الحقيقي.
بينما عرف علماء النفس إدمان الإنتاجية على أنه حاجة قهرية للبقاء منتجًا طوال الوقت، بالتوازي مع الشعور بالذنب إذا أخذ قسط من الراحة. ولا يبدي اهتمام واضح بالمتطلبات الأساسية للجسم، مثل النوم، والهدوء، والاسترخاء، والاهتمام بالعلاقات الاجتماعية.
الفرق بين إدمان الإنتاجية وحب الإنجاز
رؤيتك لشخص يفضل عمله يجعلك تجد صعوبة في تحديد إما أن هذا الشخص طموح، أو مدمن على الإنتاجية. وسنسلط الضوء على الفروقات بينهما في تلك الفقرة.
أولًا من حيث الهدف: سنجد أن الشخص المحب للإنجاز يتمحور هدفه حول تحقيق إنجاز له معنى. ولكن الشخص المدمن للإنتاجية هدفه الرئيسي هو البقاء منشغلًا.
المحب لعمله ستجده يستمتع بالعمل. ولكن المدمن للإنتاجية ستجده مجبر على أداء المهام.
بإمكان الشخص المحب لعمله أن يأخذ إجازة دون الشعور بالذنب. عكس المدمن للإنتاجية، فدائمًا ستجده يشعر بالذنب في حالة أخذ قسط من الراحة والإجازة.
نسبة قياس النجاح للشخص المحب لعمله تتمثل في التقدم والأهداف التي حققها. عكس نظيره المدمن للإنتاجية، الذي يقيس قيمته الشخصية بمعدل الإنجاز الذي حققه.
الفرق بين الإنتاجية الصحية والإنتاجية السامة
أولًا الإنتاجية الصحية تتمثل في:
هدفها الرئيسي هو الوصول لأهداف على أرض الواقع.
يتخللها فترات من الراحة بأوقات منتظمة.
تتيح للشخص الملتزم بها فرصة الاستمتاع بالحياة.
تؤمن بفكرة أن الراحة عنصر هام من النجاح.
الإنتاجية الصحية تدفع الفرد لتجنب ربط قيمته الشخصية بكمية الإنجازات التي حققها.
ثانيًا الإنتاجية السامة تتمثل في:
تجبر الشخص على العمل بصورة دائمة دون توقف.
رؤيته للراحة تتمثل في أنها إشارة على الكسل.
يربط الشخص المدمن على نمط الإنتاجية السامة قيمته بمعدل الإنجاز الذي حققه.
لا يبدي أي اهتمام نحو الرعاية الصحية.
علامات إدمان الإنتاجية
أولًا الشعور بالذنب عند الراحة
مسألة الحصول على قسط من الراحة بالنسبة للشخص المدمن للإنتاجية هي بمثابة إهدار للوقت. وإذا حصل على الراحة، من حيث مشاهدة فيلم، أو مقابلة دائرة معارفه المقربين، يبدأ التفكير في الندم بأنه كان يجب استغلال ذلك الوقت في إنهاء المهام.
ثانيًا عدم القدرة على التوقف عن العمل
إذا انتهى المدمن من أداء كافة المهام، فسيتوجه مباشرة لبدء مهمة جديدة.
ولا يتجه للراحة، لأنها تسهم في زيادة توتره.
ثالثًا ربط قيمة الذات بالإنجاز
تفسيره للشخص النجاح، وبالأخص ذاته، هو إذا كان يحقق الإنجاز. لهذا إذا قلت إنتاجيته، فبالتوازي يشعر بالفشل، وتقديره لذاته يقل.
رابعًا ملء جدول اليوم كامل
من الأمور التي تسهم في شعوره بالانزعاج إذا وجد وقت فراغ على مدار يومه. والساعات التي لا يعمل بها، فهو يستغلها بممارسة الأنشطة، أو التطوير من مهاراته.
خامسًا تجاهل الاحتياجات الأساسية
تلك النقطة لها تأثير بالسلب على حياته الصحية. من أمثلة الاحتياجات التي يتجاهلها هي النوم لعدد ساعات كافية، أو تناول الطعام، وزيارة الطبيب بصورة دورية، وأخذ قسط من الراحة، وأخيرًا قضاء وقت مع العائلة.
سادسًا الشعور الدائم بأن ما أنجزه غير كافي
على الرغم من النجاحات والأهداف التي يحققها مدمن الإنتاجية، فيستمر شعوره بأنه لم يفعل ما يكفي.
وكلما نجح في تحقيق إنجاز ما، فيتجه مباشرة للتفكير في المهمة التالية.
سابعًا صعوبة الاستمتاع بالإنجازات
أثناء التواجد في إجازة قصيرة، أو السفر، فدائمًا يحرص على متابعة البريد الإلكتروني، وإنهاء بعض المهام.
ثامنًا الخوف من الظهور كشخصية كسولة
دائمًا يرفض طلب المساعدة من الآخرين. ولا يظهر لهم مدى التعب والإرهاق. ويحرص على الظهور كشخصية مسؤولة ومشغولة.
لماذا يصاب البعض بإدمان الإنتاجية؟
أولًا السعي إلى الكمال
المعايير والتوقعات العالية التي يحددها الفرد لنفسه تعد من أبرز العوامل التي تسهم إصابة الفرد بإدمان الإنتاجية. بالإضافة لنمط تفكيره المبني على أن أي خطأ أو تقصير يساوي الفشل.
ثانيًا ربط قيمة الذات بالإنجاز
شريحة من مدمني الإنتاجية يربطون قيمتهم بالنجاح، أو بالمهام التي تميزهم. ولهذا إذا شهدوا يوم لم يحققوا فيه إنجاز واضح، فعلى الفور يشعرون بأنهم غير ناجحين أو مؤثرين.
والإنجاز بالنسبة لمدمني الإنتاجية هو طريقته للشعور بالرضا تجاه النفس.
ثالثًا الخوف من الفشل
هذا النوع من الخوف يجبر الشخص على العمل لوقت طويل، حتى يتفادى الشعور بالتقصير.
ويعتقد مدمني الإنتاجية أن الجهد المبذول هو درع الحماية من الانتقادات أو الفشل.
رابعًا الحاجة إلى إثبات الذات
مدمن الإنتاجية لا يسعى فقط لإثبات كفاءته لنفسه فقط، بل يعمل على إثباتها أمام المدير، أو عائلته، وحتى المجتمع.
لأن الإنجاز هي طريقته للحصول على القبول والتقدير.
خامسًا ثقافة العمل المستمر
تبث منصات التواصل الاجتماعي مبدأ ثقافة العمل المستمر، التي توصل فكرة أن الشخص الناجح هو الشخص المنشغل طوال الوقت من أجل تحقيق الإنجازات.
المحتوى الذي يقدمه الشخص الناجح يتمحور حول الاستيقاظ في أوقات الصباح الباكر، والعمل لوقت طويل، والحرص على الاستفادة واستغلال كل دقيقة، تعلم المهارات.
سادسًا بيئة العمل أو الدراسة
بيئات العمل التي تتبع فكرة مكافأة الشخص الذي يقضي ساعات عمل أطول، وليس مكافأة الأشخاص الذي يقدمون جودة أفضل، تسهم في إقناع الشخص بأن النجاح يتطلب منه التضحية بالراحة والحياة الشخصية.
الطرق الصحية للتخلص من إدمان الإنتاجية
أولًا غير مفهومك عن الراحة
الخطوة الهامة الأولى لبدء التعافي من إدمان الإنتاجية هي التوقف عن النظر إلى الراحة باعتبارها مكافأة ليست مستحقة لك إلا بعد الانتهاء من أداء جميع المهام.
عليك أن تنظر لها على أنها جزء رئيسي من الإنتاجية. لأنها تسهم في مساعدة الدماغ على:
- استعادة التركيز.
- تعزيز الإبداع.
- تقليل نسبة التوتر.
- تجنب الاحتراق النفسي.
ثانيًا افصل بين قيمتك الشخصية وإنجازاتك
السبب الرئيسي الثاني وراء إدمان الفرد للإنتاجية هو اعتقاده أن قيمته الشخصية مبنية على ما أنجزه. وذلك الاعتقاد يضع في حلقة من الاحتراق النفسي.
ولتغيير ذلك التفكير، عليك الإيمان بأنك قيمتك لن تنقص إذا أخذت يومًا للراحة. وأن النجاح لا يقاس بعدد الساعات التي عملت فيها. وأخيرًا الاحترام ليس مبني على ما حققته من إنجازات.
ثالثًا ضع حدود واضحة بين العمل والحياة الشخصية
غالبية الوقت الطويل الذي تقضيه في العمل يصعب على الدماغ الدخول في حالة من الاسترخاء.
ولتفادي تلك العرقلة، عليك تحديد ساعات محددة للعمل. وإغلاق كافة الإشعارات الخاصة بالعمل بعد انتهاء وقت الدوام. الحرص على تخصيص وقت للأسرة، والهوايات المفضلة.
رابعًا تعلم أن تترك بعض المهام لليوم التالي
السلوكيات الواضحة للمدمن للإنتاجية هي حرصه على إنهاء جميع المهام ليوم واحد. ولتفادي تلك المشكلة، عليك التساؤل حول عدة أمور، مثل:
هل تلك المهمة عاجلة حقًا؟
ماذا سيحدث إذا أنجزتها في اليوم التالي؟
ستدرك على المدى القصير أن الضغط ينشأ بسبب توقعاتك لنفسك أكثر من متطلبات الواقع.
خامسًا خصص وقتًا للأنشطة التي لا تهدف إلى الإنجاز
الهدف من تلك الأنشطة لا يتمحور حول التعلم أو تطوير الأداء. من أمثلتها القراءة، أو الرسم، أو المشي. لأنها توصل للدماغ فكرة أن الحياة لا تقتصر على الإنتاج والإنجاز.
سادسًا تقبل أن الكمال غير ممكن
السعي للكمال يجعل الفرد في حالة من أن أي إنجاز محقق وليس مثالي هو يعني الفشل. لهذا عليك التركيز على طريقة إنجاز العمل بجودة جيدة، والتعلم من أخطائك، وتجنب العمل على التطوير اللحظي.
سابعًا احتفل بما أنجزته حقًا وليس التركيز على ما تبقى
التركيز على المهام المتبقية يبث لك الشعور بالإحباط. ويوجد عدة طرق بسيطة تساعدك على تذكر الإنجازات التي حققتها، مثل:
- تدوين ثلاث أمور أنجزتها.
- كتابة أمر واحد على مدار اليوم تشعر تجاهه بالامتنان.
خاتمة
لهذا في نهاية المقال، تذكر مؤشر وقوعك في فخ إدمان الإنتاجية عندما يتحول السعي إلى النجاح إلى الشعور بالذنب في حالة أخذ قسط من الراحة. وتأكد أن الإنتاجية لا تعني قضاء عدد ساعات من العمل، ولكنها تعني قدرتك على تحقيق أهدافك مع الحفاظ على صحتك.
الإنتاجية الحقيقية لا تُقاس بساعات العمل، بل بالتوازن بين الإنجاز والراحة. ابدأ اليوم في إعادة تعريف نجاحك، وستكتشف أن الحياة تستحق أن تُعاش، وليس فقط أن تُنتَج.
يمكنك قراءة أيضًا :
لماذا نخاف من البداية أكثر من الفشل؟ الأسباب النفسية واستراتيجيات للتغلب عليها
