الفرق بين الاكتناز القهري والاحتفاظ بالأشياء وتأثيره على الحياة اليومية

خطوة الاحتفاظ بالأشياء القديمة التي تحمل في طياتها قيمة عاطفية أمر يتواجد لدى الجميع، ولكن عندما يصبح التخلص من المقتنيات أمرًا شديد الصعوبة، وتتحول المقتنيات إلى مخزن، وتتراكم في المنزل، فهنا يظهر مفهوم الاكتناز القهري.
ما هو الاكتناز القهري؟
الاكتناز القهري هو بمثابة اضطراب نفسي يصعب على الفرد اتخاذ خطوة وقرارات نحو التخلص من ممتلكاته، أو إعطائها للآخرين، أو إعادة استخدامها. وذلك الاضطراب ينشأ لدى الفرد بسبب شعوره القوي للاحتفاظ بتلك المقتنيات.
والحفاظ على تلك المقتنيات ليس لأن لها قيمة مادية، ولكن قد تكون ذات قيمة قليلة أو غير ضرورية، ولكنها بالنسبة له مهمة، واقتناعه بالحاجة لها في المستقبل.
وعلى المدى تتحول عملية الاحتفاظ بالممتلكات إلى تراكم أعداد كبيرة منها داخل إطار المنزل، وقد يصل الأمر إلى تكدس المقتنيات في الممرات أو داخل الغرف. وهذا يعرقل التحرك بشكل طبيعي في المنزل.
مشكلة اضطراب الاكتناز القهري لا تقتصر على الفوضى، ولكنها تتمحور أيضًا حول الصعوبة في اتخاذ قرار التخلص من الممتلكات، لأن فكرة التخلص تشعره بالتوتر والانزعاج.
بالنظر للمشاعر التي تتكون لدى الفرد بسبب احتفاظه بالمقتنيات، فهي تختلف من حالة لأخرى. مثل اعتقاده أنه سيحتاج لها على المدى، أو يشعر بأن تلك المقتنيات مميزة ولا يمكن تعويضها، أو لسبب آخر هو أن المقتنيات ترتبط معه بذكرى من شخص أو بموقف ما.
ما الفرق بين الاكتناز القهري والاحتفاظ بالأشياء؟
مفهوم الاحتفاظ بالأشياء يعد سلوكًا طبيعيًا، والجميع لديه مقتنيات خاصة به لا يستخدمها بكثرة، مثل الصور والهدايا والعناصر التي تحمل في طياتها قيمة عاطفية.
ولهذا لا يمكن وصف الشخص بأنه مصاب بالاكتناز القهري لمجرد صعوبته في بعض الأوقات للتخلص من مقتنياته.
ولكن خيط الاختلاف بين الاكتناز القهري والاحتفاظ بالأشياء يكمن في مستوى التعلق، وصعوبة التخلص، وتأثيره على حياته اليومية.
الفرق الأول يمكن ملاحظته في أن الشخص الطبيعي يحتفظ بممتلكاته بسبب حبه لها، أو اعتقاده أنها ستلزمه في المستقبل. وعلى الرغم من ذلك يستطيع اتخاذ قرار بالتخلص منها في حالة إذا قلت ضرورية استخدامها، أو إذا أدرك أنها تأخذ محلًا كبيرًا في المنزل.
على العكس الذي يعاني من اضطراب الاكتناز القهري، الذي يشعر بالضيق إذا تخلص من مقتنياته. وحتى يتفادى شعور الضيق، فيستمر بالاحتفاظ بها، على الرغم من إدراكه بعدم أهمية وجودها.
بالنسبة لعنصر الكمية وتأثيرها على المكان، فيوجد اختلاف واضح بينهما. فعملية الاحتفاظ بالممتلكات مثل الصناديق القديمة والملابس والصور، فهي لا تشير إلى وجود اضطراب، لأنها لا تعرقل عليه استخدام منزل بصورة طبيعية.
ولكن الاكتناز القهري يترتب عليه تراكم الأشياء، كما يؤثر على استخدام الغرف والممرات.
أسباب الاكتناز القهري
أولًا العوامل الوراثية والتاريخ العائلي
وجدت بعض الدراسات أن الاكتناز القهري مرتبط بالتاريخ العائلي. بمعنى إذا كان أحد أفراد الأسرة يعاني من اضطراب الاكتناز القهري، فالجيل الجديد عرضة لالتقاط تلك السلوكيات.
ولكن هذا لا يشير إلى مبدأ أن الاضطراب ينتقل بالوراثة، ولكن يوجد عوامل وراثية تهيئ الفرد للإصابة بالاكتناز، بالإضافة لوجود تأثير البيئة وطريقة اكتساب السلوك داخل نطاق أسرته.
ثانيًا بعض الصعوبات في اتخاذ القرارات والتنظيم
العوامل التي تحفز من إصابة الفرد لاضطراب الاكتناز القهري هو معاناته في اتخاذ القرارات، والافتقار لمهارات التنظيم وحل المشاكل.
كما يفتقر المصاب بالاكتناز القهري لصعوبة معرفة ما إذا كانت تلك المقتنيات هامة أم لا. أو وجود معاناة أخرى تتمحور حول اتخاذ قرارات متعلقة بالتخلص من المقتنيات.
جميع هذه المشاكل تدفع الفرد للخيار بين أمرين، وهو تأجيل عملية قرار فرز المقتنيات، أو اللجوء إلى الاحتفاظ بالأغراض.
عملية فرز المقتنيات بالتحديد أثناء تحديد ما يجب التخلص منه، وما يجب الاحتفاظ به، هي بمثابة أمر مرهق، ويدفعه للشعور بالتوتر.
ثالثًا الارتباط العاطفي بالممتلكات
المقتنيات التي يمتلكها الشخص الذي يعاني من اضطراب الاكتناز القهري هي ليس أشياء مادية، ولكنها تذكره بذكريات أو مراحل عاشها في حياته، أو بأشخاص مقربين له.
لهذا فكرة التخلص منها تبث له الشعور بفقدانه لأجزاء من تلك الذكريات، أو الافتقاد للمشاعر المرتبطة بتلك المقتنيات.
رابعًا الأحداث الحياتية المسببة للتوتر أو الفقد
يوجد بعض التجارب المؤلمة التي تعرض لها الإنسان، التي تحفز لديه الإصابة بالاكتناز القهري، أو تزيد من حدته. خاصة إذا كانت تلك التجارب مرتبطة بتعرض الفرد لتغير كبير في حياته.
من أمثلة تلك التجارب هو عند وفاة شخص عزيز، أو فقدان المقتنيات نتيجة لحدوث حريق أو كارثة.
كيف يؤثر الاكتناز القهري على حياة الشخص؟
أولًا التأثير على استخدام المنزل والحياة اليومية
التأثير الواضح على الاكتناز القهري هو سيطرة المقتنيات على مساحة المنزل، لأنها تتراكم في غرف المنزل والممرات. وبالتالي تصعب على الفرد استخدام المكان للغرض المخصص له.
لهذا يمكن القول إن اضطراب الاكتناز القهري يؤثر على أبسط تفاصيل الحياة اليومية. وهذا لأن الشخص لا يجد فقط صعوبة في التخلص من المقتنيات، ولكن المشكلة تمتد، ويجد الفرد معاناة تتمحور حول العيش في مساحة لم تعد تؤدي وظائفها التقليدية.
ثانيًا مخاطر على الصحة والسلامة
النتيجة النهائية المترتبة على تراكم المقتنيات هو ظهور مخاطر تتعلق بالحفاظ على سلامة الشخص.
وتشير بعض الأبحاث أن حالات الاكتناز القهري الشديدة يترتب عليها تعرضهم لمخاطر مثل الحريق، والتعثر، وغيرها من المشاكل المرتبطة بالسلامة والصحة العامة.
ثالثًا التأثير على العلاقات الأسرية
يترتب على إصابة أحد أفراد الأسرة بالاكتناز القهري بحدوث مشاكل أسرية، قد تصل إلى التوتر والخلافات الأسرية. خاصة إذا كان ينظر أحد أفراد الأسرة على أن المنزل لم يعد يصلح للاستخدام، على عكس الشخص المصاب بالاكتناز القهري، الذي يرى أن عملية التخلص من المقتنيات هو أمر غير مقبول.
اختلاف وجهات النظر بين الطرفين حول أهمية وقيمة المقتنيات يترتب عليه حدوث جدال، ومشاعر من الغضب والتجنب.
رابعًا العزلة الاجتماعية
المصاب بالاكتناز القهري سيتجه لتجنب استضافة واستقبال دائرة معارفه، بسبب شعوره بالخجل من مستوى المكان الذي يعيش فيه. وأيضًا حتى يتجنب انتقاد الآخرين لمقتنياته.
خامسًا التأثير على العمل والأنشطة الاجتماعية
التأثير الصادر عن الاكتناز القهري لا يقتصر على الحياة في إطار المنزل، ولكن تؤثر على طبيعة الحياة العملية والحياة الاجتماعية. ويتحول الاكتناز القهري إلى اضطراب ينتج منه ضيق، وضعف في الأداء الاجتماعي أو المهني.
باختصار، اضطراب الاكتناز القهري يترتب عليه صعوبات في التنظيم الحياة، وكذلك في عملية اتخاذ القرار، والتسويف، والتشتت.
استراتيجيات للتعامل مع شخص يعاني من الاكتناز القهري
أولًا إدراك أن المشكلة ليست مجرد فوضى
الخطوة الرئيسية هي التعامل مع الشخص المصاب بالاكتناز القهري على أنه مصاب بالاضطراب، والأمر لا يقتصر على إغفال النظافة والترتيب.
ولكن الشخص ذو اضطراب الاكتناز القهري يرى في مقتنياته قيمة عاطفية أو عملية. لهذا إذا قلت له أن تلك المقتنيات لا تمثل أي أهمية، ولا يوجد داعي للاحتفاظ بها، فهو في النهاية لن يقتنع بما تقوله.
والدافع من وراء الاحتفاظ بتلك المقتنيات هو بسبب وجود روابط عاطفية، أو لاعتقاده بأن تلك المقتنيات ستظهر أهميتها في المستقبل.
ثانيًا تجنب السخرية والانتقاد
احذر من وصف الشخص المصاب بالاكتناز القهري على أنه مهمل، أو مهووس بالمقتنيات، أو السخرية من منزله. لأنك بتلك الطريقة تشعره بالخجل والعار، وبالتالي يتجنب من أن يطلب منك المساعدة.
ثالثًا الاستماع إلى الشخص ومحاولة فهم سبب الاحتفاظ بالأشياء
قبل تقديم المساعدة للمصاب بالاكتناز القهري، عليك أن تتفهم وجهة نظره. لأن أسباب الاحتفاظ بالمقتنيات تختلف من شخص لآخر، لأنها قد تكون مرتبطة بالذكريات، أو باحتمالية استخدامها على المدى.
رابعًا تجنب التخلص من المقتنيات بالقوة
قد تعتقد أن الحل المثالي للتخلص وللتعافي من الاكتناز القهري هو التخلص من المقتنيات التي تراها غير ضرورية، ولكنها لا تعالج الأسباب.
اتباع سلوك التخلص من المقتنيات بالقوة يترتب عليه فقدان الثقة بينك وبين المصاب، وكذلك تعرضه للقلق والاكتئاب.
خامسًا البحث عن نقطة مشتركة
في حالة إذا كان المصاب بالاكتناز لا يرى المشكلة من الاحتفاظ بالمقتنيات، فسيجد الطرف الآخر معاناة في إقناعه بالتخلص من المقتنيات.
حل تلك المشكلة يتمحور حول التركيز على المشاكل التي يعاني منها المصاب بالاكتناز، والتي تؤثر عليه. مثال مبسط هو أن توضح له نقطة عدم قدرته على استخدام تلك الغرفة، أو المعاناة في استقبال أفراد الأسرة.
طريقة البدء من نقطة مشتركة بين كلا الطرفين تساعد المصاب بالاكتناز على رؤية الفائدة من ترك المقتنيات، ولا ينظر لعملية الحوار بينه وبين الطرف الآخر على أنها مواجهة مباشرة ومقصودة.
سادسًا التحلي بالصبر
عملية التواصل والتعامل مع الاكتناز القهري ليست عملية سريعة. واضطراب الاكتناز القهري قد يستمر لسنوات، وهذا يترتب عليه زيادة المقتنيات، وبالتالي يتحول المنزل إلى مخزن متراكم. لهذا لا يمكن إخلاء المنزل من جميع المقتنيات على دفعة واحدة.
خاتمة
في نهاية المقال، تأكد أن مساعدة الشخص المصاب بالاكتناز القهري لا تتم بإجباره على التخلص من مقتنياته، ولكن الخطوة الرئيسية هي الاستماع لمشكلته، وتجنب التهوين منها، وتشجيعه على طلب المساعدة.
الاكتناز القهري اضطراب نفسي حقيقي يحتاج إلى فهم وتعاطف، وليس مجرد عادة سيئة يمكن تغييرها بالنقد أو الإلحاح. الدعم العاطفي والتشجيع على العلاج المهني هما الطريق الأمثل لمساعدة المصاب على استعادة حياته ومساحته الشخصية.
يمكنك قراءة أيضًا :
بين الطموح والإرهاق واغفال الراحة .. ما هو إدمان الإنتاجية وتأثيره على صحتك النفسية؟
