أسباب العطاء غير المتوازن في العلاقات وطرق تحقيق التوازن العاطفي
مفهوم العلاقة الصحية هي التي تُبنى على التوازن بين الأخذ والعطاء. وفيها يشعر كل الطرفين بمحل الاهتمام على التوازي. ولكن حين تتحول العلاقة من صحية إلى سلبية، سنجد أن طرفًا ما يقدم العطاء الزائد، من حيث تقديم الوقت، والجهد، والمشاعر، ولا يحصل على ما يقدمه في المقابل.
ما هو مفهوم العطاء غير المتوازن؟
يمكن ملاحظة العطاء غير المتوازن في العلاقات التي تعتمد على أن يقدم أحد الأطراف الوقت، والدعم العاطفي، والاهتمام، أكثر من الطرف الآخر.
والنتيجة النهائية المترتبة على قيام طرف ما بالمبادرة، وتقديم الدعم، ولعب دور الضحية، وعدم تلقيه لتلك الأمور في المقابل، فسنجد أن النتيجة هو تعرضه للاستنزاف النفسي.
والفرق بين العلاقات الصحية والعلاقات غير المتوازنة هو شعور كلا الطرفين بأنهم مسموعين، مع تلقيهم للدعم النفسي والعاطفي. أما في العلاقات غير المتوازنة، فسنجد أن طرفًا ما يتحمل جزءًا كبيرًا من العبء من أجل الحفاظ على العلاقة.
أسباب وقوع الشخص في خطأ العطاء الزائد
أولًا الخشية من الرفض أو فقدان العلاقة
أبرز الأسباب المنتشرة هي التفكير بأن الطريقة الصحيحة للحصول على الحب من الطرف الآخر هي تقديم التضحية. من أمثلة الطرق التي يتبعها الفرد هي تقديم الاهتمام، والمساعدة، والعطاء.
ثانيًا إرضاء الآخرين على حساب الذات
غالبية الدراسات النفسية تشير إلى أن الفرد المفرط في العطاء هو في نفس الوقت الذي يسعى لإرضاء الجميع، وتجنب الخلافات. وبالتالي يشعر بالقلق في حالة إذا وجد أن الطرف الآخر غضب منه.
ثالثًا انخفاض تقدير الذات
فئة من الأفراد يربطون قيمتهم الذاتية بما يقدمونه للطرف الآخر. لهذا يشعر الفرد بأنه شخص جيد في حالة إذا اقتنع أنه نجح في مساعدة الطرف الآخر، وقدم له التضحية.
رابعًا تجارب الطفولة المبكرة
يتعلم الفرد فكرة العطاء الزائد منذ فترة الطفولة المبكرة، بالتحديد إذا تربى في إطار بيئة يحصل فيها على التقدير مع شرط إذا كان مطيع. وتلك النشأة تستمر على المدى الطويل، حتى مع علاقاته على الكبر.
خامسًا الخوف من الوحدة
في حالة إذا شعر الطرف الأول بأنه مستغل من قبل الآخرين، فإنه لن يتوقف، ولكن سيستمر، لأنه يخاف من خسارة علاقته مع الطرف الآخر.
سادسًا الرغبة في إصلاح الآخرين وإنقاذهم
قد تجد الطرف الأول يتحمل مسؤولية مشاكل الآخرين، من حيث أنه يعمل على إنقاذهم، أو حل مشاكلهم. وذلك اعتقادًا منه بأن ذلك هو وسيلة للتعبير عن الحب والوفاء. ولكن على المدى القصير، تلك المسؤوليات تتحول لعبء كبير.
الفرق بين الكرم العاطفي والاستنزاف العاطفي
لا يستطيع الفرد التفرقة بين الكرم العاطفي والاستنزاف العاطفي. وبالنظر سنجد أن العطاء هو من أبرز العناصر التي تُفهم فيها بناء علاقة قوية ومستقرة. ولكن تكمل المشكلة في حين إذا تحول ذلك العطاء من رغبة الفرد إلى التزام ومسؤولية عليه. لهذا سنسلط الضوء في الفقرة التالية على الفرق بين كلاهما:
أولًا الكرم العاطفي
مفهوم تقديم الكرم العاطفي هو إعطاء الدعم، وتقديم الاهتمام، والتعاطف مع الجميع. مع تجنب عدم الاهتمام بالحصول على مقابل بشكل سريع. في نفس الوقت الحفاظ على الحدود الشخصية، والاهتمام بالصحة النفسية.
في حين تتمثل أبرز خصائص الكرم العاطفي حول:
- تقديم الدعم مع مراعاة الاهتمام بالنفس.
- القدرة على الاعتراض، وقول كلمة لا في أي وقت.
- مشاعر من الرضا عن تقديم المساعدة للآخرين.
- إيجاد توازن بين العطاء والأخذ.
ثانيًا ما هو الاستنزاف العاطفي
ينشأ الاستنزاف في حالة استمرار الطرف الأول نحو تقديم الاهتمام والدعم على المدى الطويل، مع عدم الاهتمام بأخذ راحة، أو طلب الدعم في المقابل.
بينما تتمثل أبرز علامات الاستنزاف العاطفي في ما يلي:
- التعرض للتعب النفسي الدائم.
- وضع احتياجات الآخرين على حساب الأولويات والاحتياجات الشخصية.
- الشعور بالذنب عند رفض الطرف الآخر لمطالبك.
- غياب الشعور بالحماس والطاقة في العلاقات.
- تراكم مشاعر الغضب والاستياء.
أخطاء شائعة يرتكبها الأشخاص ذوي العطاء الزائد
أولًا تجاهل الاحتياجات الشخصية باستمرار
أكبر خطأ شائع يقع فيه هؤلاء الأشخاص هو وضع احتياجات الآخرين في مرتبة أولوياتهم بصورة مستمرة، وعدم الاكتراث لاحتياجاته الخاصة.
ويظهر ذلك من خلال قضاء ساعات في تقديم الدعم للآخرين، والاستماع إلى مشاكلهم، واغفال جزئية إعطاء النفس الوقت اللازم للحصول على الراحة، أو ممارسة الأنشطة والهوايات المفضلة.
ثانيًا الاعتقاد أن الحب يساوي التضحية المستمرة
فئة من البشر يقتنعون بفكرة أن قيمة العلاقة تقاس بمعدل التضحيات التي يقدمها للطرف الآخر.
بمعنى إذا أراد الفرد أن يبرهن للطرف الآخر أنه يحبه ويهتم به، فعليه أن يقدم التنازلات، حتى إذا كانت تلك التنازلات تؤذيه، وتستهلك طاقته.
ثالثًا عدم وضع حدود واضحة
لا يستطيعون رسم حدود واضحة وصحية مع الآخرين. وذلك بدافع موافقتهم على طلبات الآخرين، حتى إذا كان لا يرغبون بها. بالإضافة لشعورهم بالذنب إذا حاولوا حماية وقتهم وطاقته.
رابعًا الخوف من قول لا
ذلك الخوف يترسخ لأنه يخاف من فقدان العلاقة، ويسعى لإرضاء الآخرين. ويوافق على أمور لا تناسبه، حتى لا يغضب الطرف الآخر.
خامسًا توقع أن الآخرين سيقدمون نفس معدل العطاء
علماء النفس يرون أن الأشخاص ذو العطاء الزائد دائمًا يتوقعون أن يلاحظ الآخرين عطائهم وتضحياتهم، والاستجابة لذلك العطاء برد الجميل. في حين إذا لم يجدوا ذلك العطاء، سيشعرون بالإحباط وخيبة الأمل.
سادسًا تحمل مسؤولية مشاعر الآخرين
أبرز الأخطاء التي يقوم بها الأشخاص ذو العطاء الزائد هو اقتناعهم بفكرة أنهم المسؤولين عن تحقيق سعادة الآخرين، أو تحمل مسؤولية راحتهم النفسية.
سابعًا تبرير السلوكيات غير العادلة
يمنحون الطرف الآخر التبريرات على تصرفاتهم، دون توجيه اللوم أو التقصير، حتى إذا كانت العلاقة بينهما غير متوازنة بصورة واضحة.
طرق تساعدك على تحقيق التوازن بين العطاء والاهتمام بالنفس
الخطوة نحو تحقيق التوازن لا تقتصر على التوقف عن مساعدة الآخرين. ولكنها تعني الاهتمام بالذات بالتساوي مع نفس المعدل الذي تهتم به بالآخرين.
أولًا الاعتراف بأن احتياجاتك مهمة أيضًا
أهم وأبرز خطوة هي إدراك أن الأساسيات النفسية والعاطفية لا تقل أهمية عن احتياجات الآخرين.
واستمرار العلاقات الصحية لا يُبنى فقط على إغفال احتياجات النفس، ولكنه يُبنى على احترام احتياجات كلا الطرفين.
ثانيًا تعلم وضع الحدود الصحية
الأطر النفسية تمهدك على تحديد ما يمكن تقديمه للآخرين، والعكس صحيح. مثال على ذلك هو تحديد أوقات الراحة، أو تجنب تحمل مسؤوليات الآخرين بشكل كامل.
ثالثًا قول لا دون الشعور بالذنب
الهدف من قول تلك الكلمة يتلخص في الحفاظ على الصحة النفسية. يمكنك رفض طلبات الآخرين بشكل لطيف، وكل احترام، دون تقديم تبريرات طويلة.
رابعًا تقييم العلاقات بشكل واقعي
للحفاظ على صحتك النفسية، عليك إعادة تقييم العلاقات الضارة، والتي تشعر فيها بالاستنزاف النفسي. وعملية التقييم تتم من خلال طرح أسئلة حول النفس، مثل: هل الجهد المبذول أقدمه بمفردي؟ وهل أشعر حقًا بالتقدير؟ هل الطرف الآخر يهتم باحتياجاتي مثلما أفعل؟
خامسًا التوقف عن لعب دور المنقذ
أمر جيد أن تقدم الدعم لدائرة معارفك المقربين المحببين لك. ولكن ليس مطالبًا منك أن تنقذهم في مشاكلهم، وتعمل على إيجاد حلول لهم.
سادسًا تخصيص وقت منتظم للعناية بالنفس
تقديم العناية والاهتمام بالنفس لا يندرج في إطار الرفاهية، ولكنه ضرورة نفسية. والعناية تتمثل في أخذ قسط من الراحة والنوم، ممارسة الرياضة، قضاء وقت مع الأصدقاء، ممارسة الهوايات.
سابعًا التعبير عن الاحتياجات بوضوح
تفترض أن الجميع سيلاحظ ما تحتاج له. لهذا عليك أن لا تخشى من التعبير عن مشاعرك واحتياجاتك بصورة مباشرة. للتواصل واضح بينك وبينهم يقلل من حدوث الإحباط لديك، ويسهم في بناء علاقة متوازنة.
خاتمة
في نهاية المقال، تذكر أن العطاء الزائد دون مقابل يجعلك تشعر بالإرهاق والاستنزاف. وعليك أن تتخذ خطوة جادة نحو إعادة النظر في طريقة تعاملك مع العلاقات.
العطاء الصحي هو الذي يأتي من قلب ممتلئ، ليس من قلب فارغ. ابدأ اليوم في وضع حدودك، وستجد نفسك أكثر سعادة في علاقاتك، وأكثر قدرة على العطاء الحقيقي.
يمكنك قراءة أيضًا :
