حين يصبح الشعور بالسعادة أمرًا إجباريًا.. ما هي الكمالية العاطفية؟

يظن البعض أن الطريقة الجيدة للتعامل مع المشاعر تتمثل في القدرة على التخلص من المشاعر السلبية، مثل الغضب والقلق والحزن، وأن الحفاظ على السعادة والهدوء طوال الوقت علامة على القوة والاتزان.
لكن ماذا لو تحولت هذه الرغبة في الحفاظ على المشاعر الإيجابية إلى مصدر للضغط المستمر على النفس؟ هنا تظهر الكمالية العاطفية، التي تدفع الفرد إلى وضع معايير مثالية لمشاعره، والشعور بأنه يجب أن يكون سعيدًا وهادئًا ومتزنًا طوال الوقت.
ما هي الكمالية العاطفية؟
ال emotional perfectionism أو كما يطلق عليها في اللغة العربية الكمالية العاطفية هي عبارة عن أسلوب ونمط معين يتبعه الشخص أثناء التعامل مع مشاعره من حيث وضعه لمعايير مثالية ولا تمت للواقع بصلة.
بمعني الاعتقاد أن مشاعر الشخص يجب أن تكون مثالية وصحيحة ولا يسمح لنفس للشعور بالغضب أو الحزن أو مشاعر سلبية وغير مريحة لأنها تمثل له مشكلة ويحب على الفور التخلص منها وفي حالة ظهورها يبدأ في لوم نفسه.
مثال توضيحي على حالة الكمالية العاطفية عندما يتعرض الفرد لموقف حزين فمن المؤكد أن يشعر بالحزن ومن المؤكد أن يقول في نفسه “انا حزين وذلك أمر طبيعي”، ولكن المصاب بالكمالية العاطفية يقول لنفسه “لماذا اشعر بالحزن من المفترض أن أكون اقوى من ذلك”.
مشكلة حالة الكمالية العاطفية لا تتعلق بالمشاعر ولكن تتعلق باعتقادي الفرد بأنه ملزم بالتحكم في مشاعر بشكل دوري ومستمر والعمل على التخلص من المشاعر غير المريحة أو السلبية كما ذكرنا.
لهذا علينا اعلامك بنقطة هامة وهي أن الكمالية العاطفية لا تعني التحكم الصحي في المشاعر، ويوجد فرق شاسع بين التنظيم العاطفي والكمالية العاطفية وسنسلط الضوء على تلك الفروقات فيما يلي :
أولا التنظيم العاطفي
عملية التنظيم العاطفي المشاعر هو أن يدرك الفرد مشاعره ويفهم السبب من وراءها وبعد ذلك يبحث عن الطريقة المثالية للتعامل معها والتعبير عنها.
ثانياً الكمالية العاطفية
متمثلة في تجنب الشعور بالغضب والقلق والحزن مع الحرص على التخلص منها بهدف الشعور بأنه في حالة جيدة وبخير.
علامات تدل على انك تعاني من الكمالية العاطفية
أولا الاعتقاد بالشعور بالسعادة طوال الوقت
تلك العلامة تعد من أبرز الإشارات حول الإصابة بالكمالية العاطفية، تتمثل هذه العلامة في اقتناع الفرد بمبدأ “يجب أن أكون إيجابيا دائماً”.
لهذا عندما يمر الفرد بيوم سيء او موقف يشعره بالحزن فينظر له على مدى فشله في التعامل مع تلك المواقف الحياتية بطريقة صحيحة ومن الأصح أن ينظر له على أنه تجربة إنسانية طبيعية يتعرض لها الجميع.
ثانياً الشعور بالذنب بسبب مشاعرك
المشكلة قد لا تتعلق بالشعور الاصلي ولكنها تتعلق برده فعلك تجاهه.
مثال توضيحي على ذلك في حالة شعورك بالحزن فستبدا على الفور في إلقاء اللوم على نفسك وقول جمل مثل “لا يوجد سبب يجعلني اشعر بالحزن”.
المشاعر الطبيعية في تلك الحالة مثل الحزن أو الغضب تتحول إلى مصدر للضغط وهذا يرجع لانه الشخص أصبح يتعامل مع الشعور ذاته بأنه خطأ منه.
ثالثاً محاولة التخلص سريعاً من اي مشاعر غير مريحة
من المشاكل التي يعاني منها المصاب بالكمالية العاطفية هو معاناته في استمرار حالة الحزن أو القلق والخوف لهذا يحاول التخلص منها باسرع وقت.
السلوك الذي يلجأ له المصاب بالكمالية العاطفية من حيث عدم تقبله للمشاعر فهو بتلك الطريقة يعمل على كبتها أو التخلص منها وليس العمل على التعامل معها وادراكها.
رابعاً مراقبة مشاعرك باستمرار
المصاب بحالة الكمالية العاطفية دائما يسأل نفسه عدة أسئلة مثل “هل انا بخير الآن أو لماذا لم أشعر بالسعادة رغم حدوث شئ جيد؟”.
خامساً الشعور بأن الحزن أو الغضب دليل على ضعف الشخصية
سنجد أن المصاب بالكمالية العاطفية يربط بين مشاعره الصعبة وبين الصورة السلبية عن النفس بمعني إذا شعر بالحزن فسيفسر ذلك على أنه شخص ضعيف ومثال آخر إذا شعر بالخوف فسيفسر ذلك على أنه شخص غير شجاع.
الشخص هنا لا يعمل فقط على التخلص من مشاعره ولكنه يحرص على الحفاظ على صورته المثاليه امام نفسه.
سادساً إخفاء المشاعر السلبية عن الآخرين
على الرغم من حرصه على الظهور أمام الآخرين كشخصية هادئة أو إيجابية ولكنه في الواقع يخفي مشاعره السلبية من وجهة نظره لأنه يرى أن الحزن أو الغضب مشاعر غير مقبولة.
خطوة كبت المشاعر السلبية لها تأثير على علاقاتك مع الآخرين وهذا لأن الطرف الآخر لا يتمكن من رؤية الجانب الحقيقي من شخصيتك.
سابعاً الشعور بأن عليك تخطي الأحداث بسرعة
يتبع الفرد ذو الكمالية العاطفية جدول زمني مثالي للمشاعر من حيث أن يقول لنفسه “لقد مر شهر على الإنفصال لماذا اشعر بالحزن حتى الآن”
المصاب بالكمالية العاطفية لا يعطي لنفسه الوقت المناسب والكافي لمعالجة الموقف الأليم ولكنه يعتقد أن ذلك الوقت الذي مضى هو كافي جدا للتعافي.
كيف تؤثر الكمالية العاطفية على العلاقات مع الآخرين؟
أولا تجعل الشخص أقل قدرة على التعبير عن مشاعر الحقيقية
العلاقات الصحية تعتمد على توافر معدل كبير من عنصر الصراحة العاطفية، بمعني قدرة كلا الطرفين للتعبير عن مشاعرهم بما فيها الحب والفرح والحزن والخوف دون أن ينظر لتلك المشاعر على أنها تقلل من قيمته.
في حين أن الشخص الذي يحدد لنفسه معيار مثالي للمشاعر لا يستطيع التعبير عن كل ما يشعر به أمام الطرف الآخر مثال لا يقول له ” انا أشعر بالغيرة” لأنه يعتقد أن الشخص الناضح هو الذي لا ينبغي أن يشعر بتلك الأمور.
كثرة استمرار الكمالية العاطفية من حيث اخفاء المشاعر يترتب عليها صعوبات يواجهها الطرف الآخر مثل صعوبة فهم احتياجات شريك حياته الحقيقية.
ثانياً قد تؤدي إلى تجنب الخلافات بدل التعامل معها
حرص الشخص على إظهار المشاعر المثالية وعلى العلاقات الجيدة مع الآخرين هو نفسه الذي ينظر للخلاف على أنه علامة على سوء العلاقة.
من الطرق التي يلجأ لها لتجنب الخلافات هو التحلي بالصمت أو تأجيل المناقشات أو التمثيل بأن الأمور على ما ترام.
في حين أن تجنب الخلاف لا يعني زوال المشاكل ولكنه في واقع خطوة يترتب عليها تراكم المشاعر وظهورها على المدى في هيئة غضب أو توتر.
ثالثاً زيادة الحساسية تجاه ردود أفعال الآخرين
يهتم الشخص الكمالي بمدى تقييم الآخرين له.
لذلك في جزئية علاقاته الاجتماعية يبدأ في التفكير والتساؤل حول إذا كان الطرف الآخر مازال يبادره نفس المشاعر أو التساؤل حول إذا كان الطرف الآخر غاضب مني.
لهذا تتحول عملية التفاعل مع الآخرين مصدر دائم لمراجعة النفس والقلق.
رابعاً تحويل العلاقة الي مساحة للبحث عن الكمال
الأمر لا يقتصر على الالتزام بمعايير مثالية للنفس فقط ولكنه يتوقع أن تكون علاقته مع الطرف الآخر كذلك مثالية بمعني أن يقول إن الشريكين يجب ألا يختلفان كثيراً حول أمور حياتهم أو الاقتناع بفكرة أن شريك حياتي يجب أن يفهم مشاعري دون أن اشرحها له.
يعد الاعتقاد بمبدأ أن شريك حياتك يتوقع الكمال في العلاقة أمر يؤثر على انخفاض نسبه الرضا عن العلاقة والالتزام بالحفاظ عليها.
خامساً صعوبة مسامحة الآخرين بعد الأخطاء
مسألة التزام الطرف الأول بالمعايير المثالية تصعب عليه فكره تقبل أخطاء الطرف الثاني.
بمعني أنه لا ينظر للخطأ على أنه امر طبيعي في العلاقات ولكنه ينظر للخطأ على أنه دليل على الطرف الثاني لا يبدي له اي اهتمام وأن العلاقة بينهما لا تسير بشكل صحيح ومثالي.
كيف تتعامل مع مشاعر دون محاولة جعلها مثالية؟
تذكر أن الهدف الرئيسي من الخطوات التالية ليس في أن نترك للمشاعر المساحة للتحكم فيك وليس أيضاً العمل على كبتها ولكن الهدف منها هو تعلم ملاحظتها وفهمها وتنظيمها دون إصدار أحكام قاسية عليها.
أولا تقبل أن المشاعر ليست ثابتة طوال الوقت
الخطوة الأولى هو تجنب الاقتناع بمبدأ أن الحالة النفسية الجيدة متمثلة في الشعور بالهدوء والسعادة طوال الوقت.
تذكر أنه من الطبيعي أن تتعرض لأيام تشعر فيها بالحزن والغضب والإحباط حتى إذا كانت حياتك جيدة في كافة الجوانب.
ولكن تذكر ان تقبل المشاعر لا تساوي الاستسلام لها ولكنها تتعلق بالاعتراف بوجودها وفهمها دون العمل على تجنبها أو إنكارها.
ثانياً فرق بين تنظيم المشاعر والسيطرة عليها
تلك النقطة تعد من الخطوات الهامة للتعامل مع الكمالية العاطفية.
بالنظر لمفهوم تنظيم المشاعر فهي باختصار تمهيد النفس المساحة والوقت الشعور بمشاعرك وفهمها ثم العمل على الطرق الصحية للتقليل من قسوتها.
ولكن مفهوم السيطرة على المشاعر بالمعني الكمالي هو أن تثبت لنفسك هدفك مثل في التخلص من مشاعرك لانك لا تقبل بها، مثال توضيحي على ذلك هو أن تقول “كيف اتخلص من الشعور بالقلق الان”، ولكن تنظيم المشاعر يدفعك للتساؤل حول “ما الذي يدفعني للشعور بالقلق وكيف يمكنني التعامل معه”.
ثالثاً تسمية المشاعر بدل الحكم عليها
في حالة إذا شعرت بأن هناك شيء يسبب لك الازعاج فأول خطوة عليك القيام بها هو تحديدها بمعني ان تقول “انا اشعر بالحزن” ولا تقول “انا سيء اليوم”.
مثال آخر إلا تقول جملة مثل “انا ضعيف لأنني خائف” ولكن الاصح قول “أشعر بالخوف لأن ذلك الموقف يمثل أهمية لي”.
الهدف من تسمية الشعور هي مساعدتك على التعامل معها والنظر لها على أنها مجرد تجربة تمر بها وليست بمثابة جزء رئيسي من شخصيتك.
رابعاً توقف عن قول كلمة “يجب” مع مشاعرك
تبني الكمالية العاطفية على القواعد الداخلية التي يفرضها الإنسان على ذاته.
من أمثلة تلك القواعد الداخلية ما يلي :
- يجب أن أكون سعيدا.
- يجب ألا أشعر بالغضب.
- يجب ألا أتأثر بكلام الآخرين.
في الحقيقة أن المشاعر لا تلبي الأوامر بالطريقة التي تستجيب بها الأفعال.
فطرة الإنسان تساعدك على اختيار ما ستفعله عند الشعور من الغضب ولكن لا يمكن للفرد تخطي عدم الشعور بالغضب.
لهذا يفضل الا تقول جملة مثل “لا يجب أن أشعر بهذا” ولكن الطريقة الصحية أن تقول لنفسك “انا تشعر بذلك الان ولهذا ساحاول فهمه والتعامل معه بطريقة مناسبة”.
يشير خبراء علم النفس أن خطوة التعامل مع المشاعر على اعتبارها مجموعة من القواعد الصارمة أمر يزيد من حدة الضيق وهذا لأن طبيعة الإنسان لا تمكنه من التعامل والتحكم الكامل في أفكاره ومشاعره ولكنه يتفوق في التحكم بدرجة الاستجابة والتعامل معه.
خامساً أسأل نفسك عن ماذا تحاول المشاعر اخبارك به
لا تنظر للمشاعر على أنها مشكلة يحب التخلص منها ولكن الأصح هو التعامل معها كأنها معلومة تتطلب منك أن تفهمها.
بمعني إذا شعرت بالحزن فعليك أن تفسره مثلا بأن قد يكون مرتبط بفقدان شيء مهم لك.
مثال توضيحي آخر إذا شعرت بالقلق فهذا يعني أن مشاعرك تخبرك بانك هناك أمر غير واضح ملامحه او موقف في حياته تقلق من نتيجته.
سادساً اتح لنفسك الفرصة للشعور دون تحويله إلى سلوك مؤذي
مبدأ تقبل الشعور لا يعني التصرف وفقاً لحالة الشعور، حيث يمكنك الشعور بالغضب دون أن تسبب في جرح الطرف الآخر، كما يمكنك الشعور بالغيرة دون مراقبة الطرف الآخر.
هنا يجب التفرقة بين المشاعر والتصرفات المترتبة عن مشاعرك.
سابعاً تعامل مع نفسك بعطف وتجنب انتقادها
على الرغم من شعورك بالحزن أو الغضب فعليك ألا تشعر بالذنب تجاه مشاعرك وتقسو على نفسك لمجرد انك لم تكن قوياً بما يكفي.
الأصح هو التحدث مع نفسك بعطف وكانك تتحدث مع شخص مقرب لك يمر بموقف صعب.
خطوة التعاطف مع النفس لا تعني تبرير كل شيء أو التخلي عن تطوير صحتك النفسية، ولكنها باختصار تتمثل في التعامل مع جوانب الضعف والألم دون أن تنظر لها على أنها اهانة للنفس.
ثامناً لا تجعل التعافي منافسة مع الوقت
لا يوجد وقت محدد وموحد للتعافي من مشاعر الحزن أو الغضب او غيرها من المشاعر السلبية.
قد تجد أشخاص ياخذون اسابيع للتعامل وتجاوز تجربة ما في حين تجد أشخاص آخرين يأخذون فترة أطول، وهذا لا يشير علي أن فئة أفضل من غيرها في التعامل مع مشاعرها.
في نهاية المقال تذكر أن الفكرة الأساسية منه هو التعامل الصحي مع المشاعر وهذا لا يعني الشعور بالسعادة على مدار الوقت ولكن الهدف هو فهم مشاعرك وتقبلها واتباع الطريقة الصحية للتعامل معها.
يمكنك قراءة أيضا:
لا تعرف ماذا تقول للمقابلة الاولى؟ طريقة F.O.R.D لبدء محادثة طبيعية
