علاقات

أسباب الجوع العاطفي وعلاماته والفرق بينه وبين الحب الحقيقي

يعد الشعور بالحب والانتماء والاهتمام من أبرز الاحتياجات النفسية التي يسعى لها كل فرد، لأنها تسهم في عيش حالة من الاستقرار العاطفي، وبناء علاقات صحية.

ولكن في لحظة قد تتحول تلك الاحتياجات إلى رغبة ملحة، بهدف التخلص من شعور الفراغ أو النقص العاطفي.

ما هو الجوع العاطفي؟

يعد الجوع العاطفي حالة من المشاعر، التي تبث للفرد افتقاده للإشباع العاطفي. من حيث شعوره برغبته في الحصول على الحب، والاهتمام، أو التقدير، وكذلك الطمأنينة من قبل الآخرين. وذلك لهدف الشعور بقيمته، أو بالأمان.

في حين ينظر علماء النفس لحالة الجوع العاطفي على أنه لا يقع في إطار الرغبة الطبيعية في الحب. ولكنه يتحول إلى جوع، عندما يتحول الاحتياج للحب أمر شديد، لدرجة تأثيره على القرارات الشخصية، وعلى مستوى علاقاته.

بالتالي يسعى لإشباع تلك المشاعر، حتى إذا كانت لفترة مؤقتة.

بينما ينشأ الشعور بالجوع العاطفي، عندما لا تلبي المتطلبات النفسية، المتمثلة في الاحتواء، والقبول، والحصول على الحب غير المشروط، والتقدير، والاهتمام.

الافتقار لإشباع تلك الاحتياجات، تدفع العقل للعمل على تعويضها. وذلك بواسطة العلاقات العاطفية، أو الصداقات. وبعض الحالات تتجه نحو العمل على اكتساب إعجاب الجميع.

أسباب الجوع العاطفي

أولًا الحرمان العاطفي في الطفولة

الاحتياجات الأساسية للطفل لا تقتصر على الملابس والطعام، ولكن يلزمهم متطلبات أخرى، تتمثل في الاحتضان، والاهتمام به. من حيث الاستماع له، وإيصال له مشاعر الحب، وتمهيده للتعبير عن مشاعره بكل أمان، وليس بخوف.

وافتقار الطفل لتلك الأساسيات، تدفعه للعيش في حياة لا تهتم بالاحتياجات العاطفية. وعلى المدى الطويل، عندما يصل لمرحلة البلوغ، سيشعر بوجود فراغ داخلي. وسيعمل على ملؤه باستمرار بواسطة الآخرين.

ثانيًا أسلوب التعلق غير الآمن

نمط العلاقة بين الطفل ومقدمي الرعاية تؤثر على شكل علاقات الطفل على المدى. لهذا إذا كان يتبع الآباء مع أبنائهم بمرحلة الطفولة نمط تعلق القلق، فذلك سيؤثر عليه بالسلب، من حيث:

الخوف من التعرض للهجر.
الحرص على الحصول على الطمأنينة المستمرة.
في حالة إذا لم يتلق رد فوري، فسيفسر التأخير على أنه رفض.
الشعور بالقلق في حالة إذا ابتعد الطرف الآخر قليلاً.

ثالثًا انخفاض تقدير الذات

ربط الفرد بين قيمته بين آراء الآخرين، تدفعه من الاحتياج إلى تلقي المدح، وكلمات الحب، والإعجاب، والاهتمام. تلك الاحتياجات تبث له الشعور بقيمته، ولكن لفترة وجيزة.

رابعًا الوحدة والعزلة لفترات طويلة

الوحدة والافتقاد للعلاقات الداعمة لفترة طويلة، يحفز لدى الفرد رغبته في التواصل. وبالتالي يتعلق بأي شخص يمنحه الشعور بالاهتمام.

خامسًا انتهاء علاقة مؤلمة دون التعافي منها

الفترة التي تأتي بعد الانفصال، ينشأ لدى الفرد مشاعر من الفراغ العاطفي. وفي حالة إذا لم يأخذ قسط للتعافي، فيتجه على الفور في بدء علاقة جديدة. وذلك لهدف واحد: لتعويض مشاعر الوحدة والفقد.

سادسًا التعرض للرفض المتكرر

من أمثلة مواقف الرفض هي التنمر، الرفض من قبل الأسرة، الخيانة، الرفض العاطفي، وغيرها من المواقف. التي تدفع الشخص البحث عن شخص يعوض ذلك الرفض، ويوصل له فكرة بأنه شخص محبوب.

سابعًا الاعتماد على الآخرين لتنظيم المشاعر

غياب القدرة على تهدئة النفس، أو إيجاد الطريقة الصحية للتعامل مع المشاعر، يسهم في نشأة الجوع العاطفي. وهذا لأن الفرد اتجه للاعتماد على الآخرين للشعور بالراحة.

علامات الجوع العاطفي

أولًا التعلق السريع والزائد عن الحد

العلامة الشهيرة لحالة الجوع العاطفي هو تعلق الفرد بشخص ما خلال فترة قصيرة. ويقتنع بأنه الشخص المناسب له، حتى بعد مرور أيام أو أسابيع من بعد التعارف.

وذلك الاقتناع ينشأ لشعوره بأن الطرف الآخر نجح في تلبية احتياجاته العاطفية.

ثانيًا الخوف الدائم من الهجر أو الرفض

إذا كانت العلاقة المستقرة مع الطرف الآخر، فهذا لا يمنعه من العيش في حالة من القلق والتساؤل. حول هل الطرف الثاني توقف عن حبي؟ ولماذا تأخر في الرد؟ وهل سببت له أمر يحفز لديه الشعور بالغضب؟

ثالثًا الحاجة الدائمة إلى الطمأنينة

على الرغم من تلقيه كلمات الحب من الطرف الآخر لمرة من قبل، ولكن يرغب في الحصول على الطمأنينة الدائمة. حيث يلح عليه بالعديد من الأسئلة، مثل: هل تحبني؟ وهل أنت متأكد من مشاعرك؟ الهدف من تلك الأسئلة هو الحصول على الشعور بالطمأنينة. ولكن في الحقيقة ذلك الشعور مؤقت، ويعاود مرة أخرى لطرح تلك الأسئلة مرة أخرى.

رابعًا الشعور بالفراغ عند البقاء بمفرده

تواجده بمفرده دون شريك حياة، يحفز لديه الشعور بالفراغ، والملل، والوحدة، والقلق.

لهذا يتجه للتواصل مع أي شخص الشعور بالاهتمام من ناحيته.

خامسًا تجاهل العلامات التحذيرية في العلاقة

أبرز العلامات التي لا يهتم بها في العلاقات العاطفية هي الكذب، والإهمال، وقلة الاحترام، والاستغلال. واغفاله لتلك العلامات بدافع الخوف من فقدان العلاقة.

سادسًا صعوبة وضع حدود

على الفور ستجده يقول نعم، ويوافق على متطلبات الطرف الآخر، حتى لا يغضب منه. وهذا يؤثر على راحته، ويفقده الحصول على احتياجاته، من أجل الحفاظ على العلاقة.

سابعًا الغيرة والامتلاك

مشاعر الغيرة لا تنشأ بسبب حبه للطرف الآخر فقط، ولكن خشية من أن يفقده. ولهذا ينزعج من عدة أمور، تتمثل في قضاء الطرف الآخر الوقت بعيدًا عنه، أو انشغاله بمهام عمله، أو قضاء غالبية الوقت مع أصدقائه.

الفرق بين الجوع العاطفي والحب الحقيقي

يوجد فروق بين الحب الحقيقي والجوع العاطفي. لأن المشاعر قوية في الحالتين، ولكن الدافع متغير. وسنسلط الضوء على الفرق بينهما في ما يلي:

أولًا من حيث الدافع الأساسي:

الحب الحقيقي: تبني العلاقات على عناصر أساسية، متمثلة في الاحترام، والمودة، والرغبة في مشاركة الحياة. ولا تبني على هدف التخلص من الوحدة.

الجوع العاطفي: الهدف من وراء العلاقة هو لسد الشعور بالفراغ الداخلي، وللشعور بالأمان.

ثانيًا الشعور عند غياب الطرف الآخر

الحب الحقيقي: افتقاده لشريك حياته، ولكن على التوازي يمارس حياته بصورة طبيعية، ويهتم بذاته.

الجوع العاطفي: يشعر بأن حياته توقفت مع غيابه، وأنه فقد جزء من نفسه.

ثالثًا سرعة تطور العلاقة

الحب الحقيقي: تتطور العلاقة بنمط تدريجي، يسوده التعارف، والثقة، وفهم شخصية الطرف الآخر.

الجوع العاطفي: نمط تتطور المشاعر سريع، وفي بعض الحالات تحدث عملية التعارف بوقت مبكرًا.

رابعًا التركيز في العلاقة

الحب الحقيقي: يبدي الطرفين اهتمام باحتياجات نظيره، مع الحرص على تحقيق التوازن بين الأخذ والعطاء.

الجوع العاطفي: الطرف يركز على ما حصل عليه من قبل الطرف الآخر من الاهتمام والطمأنينة.

خامسًا الحدود الشخصية

الحب الحقيقي: يحرص الطرفين في الحفاظ على هويته الطرف الآخر، والحصول على معدل جيد من الاستقلالية، بالتوازي مع وجود تقارب عاطفي صحي.

الجوع العاطفي: تركيز حياته هو الاهتمام بعلاقته مع الطرف الآخر، وإهمال باقي علاقاته الاجتماعية مثل الأصدقاء. وكذلك إهمال ممارسة الأنشطة، والاهتمامات، وتحقيق أهداف حياته.

سادسًا التعامل مع الخلافات

الحب الحقيقي: الخلاف في العلاقة المبنية على الحب الحقيقي ينظر لها على أنها أمر طبيعي من أي علاقة. ويمكن التعامل معها بواسطة الحوار بين الطرفين.

الجوع العاطفي: الخلافات تمثل لهم تهديد، وإشارة على انتهاء العلاقة.

كيف تتعامل مع الجوع العاطفي؟

أولًا التعرف على مصدر الاحتياج

التعرف على المصدر يكمن في طرح أسئلة على النفس، تتمحور حول: هل خوفك هو من فقدان العلاقة؟ وهل تبحث عن شخص يملأ حياتك حتى لا تشعر بالفراغ؟ وهل تشعر بأن قيمتك تعتمد على اهتمام الآخرين بك؟

تأكد من قول الإجابات الصادقة، لمعرفة أسباب المشكلة. هل هي مرتبطة بتأثير مرحلة الطفولة؟ أم بتجارب الرفض أو الانفصال السابق؟

ثانيًا تعلم تنظيم المشاعر بنفسك

لا تتجه مباشرة إلى شريك حياتك لمعالجة مشاعر القلق. والطريقة الصحية هي الاعتماد على وسائل لتهدئة النفس. مثل تدوين المشاعر، وممارسة الرياضة، وتمارين التأمل.

ثالثًا بناء تقدير الذات

تعزيز تقدير الذات يتم من خلال:

الاحتفال بالإنجازات الصغيرة.
تحسين المهارات.
التحدث مع النفس بنمط إيجابي.
عدم ربط القيمة الذاتية بقبول الآخرين.

رابعًا الحفاظ على حياة متوازنة

العلاقة الصحية بين الطرفين يجب أن يسودها التوازن في جوانب الحياة. من حيث ممارسة الهوايات، والحفاظ على دائرة المعارف المقربة من الأصدقاء، والاهتمام بالعمل أو الدراسة، وتخصيص وقت لنفسك.

خامسًا تعلم وضع الحدود

الحدود الصحية هدفها أن تضع العلاقة في إطار يسوده التوازن والاحترام. ودورها هو مساعدتك في التعبير عن احتياجاتك دون خوف، ورفض ما لا يناسبك.

سادسًا امنح العلاقات الوقت للنمو

لا تتسرع في إنجاح العلاقة بمجرد بداياتها. ولا تجعلها محور حياتك منذ الأسابيع الأولى.

خاتمة

في نهاية المقال، تذكر أن الجوع العاطفي ليس عيبًا أو ضعفًا، بل هو إشارة من داخلك بأن هناك احتياجات لم تُشبع بعد. ابدأ اليوم في العمل على شفاء هذا الجوع من الداخل، وستجد نفسك قادرًا على بناء علاقات صحية مبنية على الحب الحقيقي، وليس على الفراغ.

العلاقات الصحية لا تُبنى على الجوع، بل على الامتلاء الداخلي. ابدأ برحلة التعافي العاطفي اليوم، وستكتشف أن الحب الحقيقي يبدأ من حبك وتقديرك لنفسك أولًا.

يمكنك قراءة أيضًا : 

التسرع والتعلق والانبهار.. أبرز الأخطاء التي تهدد بداية العلاقة

زر الذهاب إلى الأعلى