الصحة العقلية

أسباب القلق الاستباقي وأعراضه وطرق التغلب على التفكير الكارثي في المستقبل

تعرض الفرد للشعور بالقلق أمر طبيعي، سواء قبل الاختبارات، أو مقابلة عمل، وغيرها من المواقف. ولكن هناك شعرة بسيطة بين القلق الطبيعي والقلق الاستباقي، الذي يضع الفرد لحالة من الانشغال الدائم حول توقع السيناريوهات السيئة.

كيف هو القلق الاستباقي؟

يعد القلق الاستباقي نوع من أنواع القلق والخوف الذي يشعر به الفرد قبل حدوث فعل مستقبلي. ويتوقع دائمًا بحدوث أمر مزعج، حتى إذا لم يكن هناك برهان واضح على حدوث ذلك الأمر.

يندرج القلق الاستباقي في قائمة اضطرابات القلق، مثل اضطراب القلق العام، والرهاب الاجتماعي، واضطراب الهلع. في حين أن الشريحة المستهدفة لهذا النوع من القلق هم الأشخاص الذين يتعرضون لمواقف تسبب الضغط، مثل في فترة الامتحانات، أو مقابلات العمل.

صنف علماء النفس نوع القلق الاستباقي على أنه حالة انفعالية تجاه المستقبل. حيث يركز العقل على الأحداث المحتمل حدوثها في المستقبل، ولا يوجه تركيزه على الوقت الحاضر.

أسباب القلق الاستباقي

أولًا التجارب السلبية السابقة

حالة التعرض لموقف في الماضي، سواء أليم أو محرج، هو يعد من أبرز أسباب شعور الفرد بالقلق الاستباقي. من أمثلة تلك المواقف المحركة هي الرسوب في الاختبارات، أو عدم اجتياز مقابلة عمل، أو التعرض لموقف محرج.

بالتالي يتحسس الدماغ لجميع هذه المواقف. وعند التعرض لأي مواقف مشابهة في المستقبل، فيتجه نحو توقع تكرار النتيجة المشابهة.

ثانيًا عدم تحمل الغموض

من العوامل التي تحفز القلق الاستباقي هو غياب القدرة على تقبل المجهول.

تشعر شريحة كبرى من البشر بالراحة عندما يعلم بتفاصيل الأحداث المستقبلية بالتفصيل. لهذا يشعر بالتحسس والتوتر الشديد عندما لا يعلم المحتمل وقوف المستقبل. ويتجه نحو قضاء غالبية الوقت في التفكير السيناريوهات المستقبلية المحتملة، وكيف يستعد لها.

ثالثًا التفكير الكارثي

طريقة تفكير الإنسان تتجه نحو التفكير وتوقع الاحتمالات السيئة. مثال على تلك الاحتمالات: إذا تحدث مع صديقه ولم يرد على الرسالة في وقت مبكر، فسيفكر في أن صديقه غاضب منه.

رابعًا الكمالية والخوف من الفشل

الكمالية تعني أن يحدد الفرد لنفسه معايير ذات جودة عالية، والعمل على الالتزام بها للوصول إلى الكمال. وذلك يدفعهم للشعور بالقلق الاستباقي. وهذا لأنه الفرد يخشي من الوقوع في الخطأ، أو التعرض للنقد، أو الظهور بصورة غير مثالية.

خامسًا اضطرابات القلق الأخرى

نوع القلق الاستباقي ليس اضطراب مستقل. ولكن يمكن ملاحظته من اضطرابات أخرى، مثل اضطراب القلق العام، اضطراب الهلع، اضطراب القلق الاجتماعي.

سادسًا الضغوط المزمنة

العيش في حالة من التأهب والضغوطات، سواء الخاصة بالحياة المهنية أو الضغوطات الدراسية، أمر يضع الجهاز العصبي في موقف من الاستعداد الدائم. وبالتالي يستعد الفرد لتوقع الخطر، بما فيها المواقف العادية.

المواقف التي يظهر فيها القلق الاستباقي

ملاحظة القلق الاستباقي تمر سهل، حيث يمكنك رؤيته في المواقف التي تتوقع فيها التعرض للفشل أو الإحراج. من أمثلة تلك المواقف ما يلي:

أولًا قبل الامتحانات: من الطبيعي أن يقلق الطالب قبل موعد الامتحانات. ولكن القلق الاستباقي يدفع الطالب لتوقع عدم اجتياز الاختبار، أو التفكير في نسيان المعلومات، أو تخيل النتائج السلبية قبل موعد الامتحان.

ثانيًا قبل المقابلات الوظيفية: يوجه المتقدم على وظيفة ما تركيزه إلى الأسئلة المحتملة التي قد يسألها مسؤولي التوظيف له. والتركيز لا يقتصر على الأسئلة، ولكن الأمر يمتد ويشمل السيناريوهات المحتملة في تلك المقابلة، مثل: ماذا إذا لم أعرف الإجابات؟ وماذا لو لم يتم قبولي معهم؟

تلك السيناريوهات المحتملة يترتب عليها اضطراب في النوم، وصعوبة التركيز قبل المقابلة.

ثالثًا قبل التحدث أمام الآخرين: إذا كنت تتجهز لتقديم عرض، أو إلقاء كلمة في فاعلية، أو المشاركة في اجتماع خاص العمل، فتتجه نحو توقع السيناريوهات المستقبلية، مثل نسيان الكلام، أو التوتر أمام الجميع، أو ارتعاش الصوت، وأخيرًا التعرض لموقف محرج.

رابعًا قبل المناسبات الاجتماعية: يمكن رؤية القلق الاستباقي في المحافل والفعاليات الاجتماعية، مثل الحفلات، والتجمعات الأسرية، ومقابلة أشخاص جدد. والقلق الاستباقي يدفع الفرد دائمًا للتفكير حول طريقة تقييم الآخرين له.

خامسًا قبل الفحوصات الطبية وانتظار النتائج: إذا طلب الطبيب من المريض إجراء تحاليل وأشعة، فسيشعر المريض بالقلق الاستباقي، ويتخيل إصابته بمرض خطير، حتى قبل ظهور النتيجة.

سادسًا قبل السفر: مثل الخوف من ركوب الطائرة، أو الخوف من فقدان الحقائب، الخوف من التأخر عن موعد الرحلة.

سابعًا قبل اتخاذ القرارات المصيرية: وهذا نابع من الوقوع في الخطأ، أو الندم على تلك القرارات. ومن أمثلة القرارات التي تحفز القلق الاستباقي هي تغيير الوظيفة، أو الزواج، أو الانتقال إلى مدينة أخرى.

ثامنًا قبل المسابقات الرياضية أو العروض الفنية: المتسابق سواء في منافسات رياضية، أو الممثل، والموسيقي، يشعر بالتوتر قبل المسابقات والفعاليات الفنية، خوفًا من أن يخطأ، أو الإخفاق، وعدم تحقيق المستوى المثالي المتوقع.

تاسعًا قبل المواقف المرتبطة بالرهاب والخوف: من أمثلة المواقف التي تثير القلق والفوبيا هي رؤية طبيب الأسنان، أو ركوب المصعد، أو السفر بالطائرة، أو التواجد بالقرب من الحيوانات التي يخافون منها.

أعراضه

تنقسم أعراض القلق الاستباقي لأربع أنواع رئيسية. وسنسلط الضوء على كل نوع بشكل منفرد في ما يلي:

أولًا الأعراض النفسية والانفعالية:

  • الشعور الدائم بالتوتر، وكثرة التفكير بشأن الأحداث المستقبلية.
  • نوبات من الغضب، وسرعة الانفعال.
  • الترقب معظم الوقت، وغياب الشعور بالراحة.
  • إيجاد صعوبة في الاسترخاء، بما فيها أوقات الراحة والهدوء.
  • زيادة الشعور بالقلق حول النتائج المتوقع حدوثها.

ثانيًا الأعراض المعرفية:

  • التفكير الكارثي المتكرر.
  • توقع السيناريوهات الأسوأ. مثال توضيحي عليه هو قول: إذا أخطأت في العرض، وقلت كلمة خطأ، فسوف أفشل في التقديم.
  • إجراء عمليات من التحليل للمواقف لعدة مرات.
  • صعوبة التوقف عن التفكير.
  • المبالغة في تقدير احتمالية الوقوع في الخطأ.

ثالثًا الأعراض الجسدية:

  • صعوبة وضيق التنفس.
  • كثرة التعرق.
  • ارتعاش اليدين.
  • شد العضلات.
  • الشعور بالغثيان، وحدوث اضطراب في المعدة.
  • جفاف الفم.
  • صعوبة النوم.

كافة تلك الأعراض لا تعني أن الفرد يتعرض لخطر حقيقي، ولكنها بمثابة استعداد الجسم لمقابلة التهديدات المحتملة.

رابعًا الأعراض السلوكية:

  • تأجيل أداء المهام المطلوبة.
  • الحذر من المواقف التي تثير الشعور بالقلق.
  • اللجوء للآخرين بصورة مستمرة لطلب الشعور بالطمأنينة.
  • تجنب التواجد في الأنشطة الاجتماعية.
  • كثرة التحضير المسبق للمواقف.

استراتيجيات للتعامل مع القلق الاستباقي

أولًا إعادة تقييم الأفكار

تتمثل في أنها أبرز وأهم طرق العلاج المعرفي السلوكي.

كل ما هو مطالب منك أن تتجنب طرح أسئلة مثل: ماذا لو حدث الأسوأ؟ كل ما هو عليك فعله هو إيجاد الدليل حول التوقعات، والتساؤل حول: هل تلك التوقعات ستحدث كل مرة؟ وكيف هو الاحتمال الحقيقي؟

الهدف من وراء تلك الأسئلة هو تقليل التفكير الكارثي.

ثانيًا تقبل عدم اليقين

السعي نحو الوصول للخطوات الصحيحة أمر يسهم في زيادة حدة الشعور بالقلق.

وينصح خبراء علم النفس أن تدرب نفسك على فكرة أن الأمور لا يمكن التنبؤ بها بالكامل. وعدم العلم بكافة التفاصيل أمر لا يشير إلى أن النتيجة المحتملة ستنتهي بالسوء.

ثالثًا التركيز على الحاضر

ممارسة تمارين التأمل واليقظة الذهنية من أنسب الطرق التي تساعد على توجيه التركيز على اللحظة التي تعيشها. وتقليل الانشغال بما قد يحدث. وكذلك ملاحظة الأفكار دون السير وراءها.

رابعًا اتباع أساليب الاسترخاء

تختلف تلك الأساليب، مثل التأمل، تمارين الإطالة، استرخاء العضلات بصورة تمهيدية.

خامسًا مواجهة المواقف تدريجيًا

الهدف هو ألا تتجنب الموقف، ولكن التعامل معه بصورة تدريجية. والتعامل مع الموقف بصورة آمنة يوصل للدماغ فكرة أن النتيجة النهائية ليست بالسوء الذي كان يتوقعه.

سادسًا قلة التوجه نحو طلب الطمأنينة

من الطرق التي يلجأ لها الفرد للشعور بالراحة المؤقتة قبل التعرض للموقف هو سؤال الآخرين حول: هل سيكون كل شيء على ما يرام؟

سابعًا الاهتمام بالصحة العامة

هناك أساسيات عليك الاهتمام بها في حياتك العامة، مثل النوم لعدد ساعات كافية، تناول الطعام المتوازن في العناصر، ممارسة النشاط البدني، الحفاظ على الروتين اليومي.

خاتمة

في نهاية المقال، تذكر أن القلق الاستباقي ليس ضعفًا، بل هو استجابة طبيعية من عقلك لحماية نفسك. لكن عندما يتحول إلى عادة مستمرة، فهو يحتاج للتعامل الصحيح.

ابدأ اليوم بتطبيق هذه الاستراتيجيات، وستجد نفسك أكثر قدرة على التعامل مع المستقبل دون قلق مفرط. تذكر دائمًا: المستقبل لم يحدث بعد، وأنت أقوى مما تتخيل.

يمكنك قراءة أيضًا : 

متلازمة الشخصية الرئيسية ما هي وكيف تتجنب الوقوع في فخ التمركز حول الذات

زر الذهاب إلى الأعلى